مقابلات

“أخبار وحوار” أجرت مقابلة مع النقيبة الأستاذة أمل حداد

النقيبة السابقة أمل حداد بارعة بمهنتها، رائدة بموقعها، فكر متوقد بشمولية المعرفة. المقابلة معها تصلح أن تكون وثيقة للإصلاح. من أقوالها “على القاضي أن يجعل اجتهاده باباً لتحديث القانون وجعله يتلاءم والحداثة ويتواءم والعصرنة”.

1 النقيبة أمل حداد معروفة من الرأي العام، لكن كيف تعرّف هي عن نفسها؟

قبل أن أولد ، وقبل أن يولد أبي ، وقبل أن تولد أمي ، كانت منازل الأجداد منابر محامين ومنصّات خطباء ، وكانت اهتمامات أهل الدارين تقتصر على معاشرة القوانين والتشريعات ، ومؤلفات الفقه والإجتهاد ، منذ أيّام العثمانيين حتى الاستقلال مروراً بالإنتداب.

وكان للقانون رهبةٌ على الأذهان ، وسطوةٌ على العقول ، وسحرٌ على الأفئدة : كان القانون هو الشريعة والشرع ، الحق والناموس ، الألفَ والياء ، البابَ والمحراب ، شحيمة الصلاة ودفاتر الغزل.

في تلك المنازل ، تقولب أبي ، وفي تلك المنازل تهيّأت أمي ، وفي كلا المنزلين أبصرتُ نورَ الشرائع ، ورضعت لبان الموسوعات ، وحَبَوْتُ نحو تهجئة النصوص وفك الألغاز ، وشَبَيْتُ وشبَّ معي ميزان العدالة ، ورهافة المنطق ، وسلامة البيان.

وعندما التحقتُ بمعهد الحقوق في جامعة القديس يوسف للآباء اليسوعيين في بيروت ، كنت كمن انتقل من غرفة إلى غرفة في البيت الواحد . وكنت لدى رؤيتي الأساتذة يطرحون معضلةً ويهتدون إلى حل ، ويبحثون عن صياغة ، أرى فيهم وأسمعُ جدَّيَّ النقيب فؤاد الخوري والمحامي وديع الحداد ووالدي النقيب فايز الحداد وخالي النقيب عصام الخوري.

وهل كان لمن وُلدَ وشبَّ على الطوق في غمرات القانون ألّا يغوصَ ويُبْحر ويستغرق في لُجَجِها؟

إن تلك البيئة ، مُضافاً إليها مزاجٌ وتكوينٌ وتهيُّؤٌ فكري وجسدي لَهيَ بالقَدَر أشبه ، وأنّى للإنسان أن يتفلّت من قدَره ؟

قد صدق الشاعر النابغة الذبياني إذ قال :

وإنّك كالليل الذي هو مُدركي     وإن خِلتُ أن المنتأى عنك واسعُ

وقد ترك لي الجدّان والأبوان والخال إرثاً أخلاقياً وقانونياً وسياسياً يختصر قرناً كاملاً من حياة لبنان ، مسيرة موجزها : عفة اللسان والكف ، صلابة العقيدة اللبنانية ، إيمان لا يتزعزع بالديمقراطية وبالعائلات الروحية  اللبنانية ، صدق في الخطابة القضائية وفي الخطاب السياسي ، إعتدال في النظر إلى الإختلاف.

مسيرتي المهنية:

بدأتُ طفولتي في العاصمة بيروت حيث تلقيت دروسي في دير راهبات الناصرة – الأشرفية حتى الشهادة الثانوية ثم دخلت الجامعة اليسوعية ودرست الحقوق.

تسجلتُ محامية في نقابة المحامين في بيروت . تدرجت في مكتب خالي نقيب المحامين الأسبق الأستاذ عصام خوري الذي هو بالأصل مكتب جدّي إلى والدتي المحامي المرحوم فؤاد الخوري والذي كان أيضاً نقيباً للمحامين في العام 1939 ، ثم محامية في الإستئناف ، ومارست المحاماة أكثر من ثلاثين سنة متعاونة مع النقيب خوري وأسرة المكتب من زملاء تعاقبوا على العمل أو التدرج فيه، ثم في مكتبي الخاص وما زلت .

اضطلعتُ بقضايا كبرى في غير مجال واختصاص من مجالات الحق الإداري والمدني والجزائي .

كنتُ محامية مترافعة ومستشارة لغير مؤسسة من المؤسسات العامة والخاصة والشركات.

واكبتُ عن كثب أعمال نقابة المحامين وشاركت في نشاطات غير لجنة من لجانها، منها : لجنة أحياء اليوبيل الماسي للنقابة، لجنة بناء نادي المحامين (بيت المحامي) ، لجنة تنظيم المؤتمرات المحلية والعربية والدولية ، لجنة العلاقات العامة والبروتوكول . ومثّلت نقابة المحامين لدى المجلس الأعلى للطفولة من خلال المشاركة في لجان المتابعة لإعداد التقرير الدوري الثالث إلى لجنة حقوق الطفل الدولية في جنيف.

انتخبتُ في العام 2004 عضواً في مجلس نقابة المحامين في بيروت ، ومن مهامي في مجلس النقابة أنني توليتُ رئاسة محاضرات التدرج للعامين : 2005-2006 وقضايا الجدول العام للعام 2006-2007 وعضوية هيئة المجلس التأديبي طوال فترة ولايتي في مجلس النقابة. وكنتُ عضواً رديفاً في محكمة الإسئتناف الناظرة بالقضايا النقابية ، ومسؤولة عن تنسيق العلاقة مع القضاء للعامين  2006 – 2007 وعضوية هيئة المجلس التأديبي طوال فترة ولايتها في مجلس. كما كنتُ عضواً في لجنة آداب المهنة ومناقب المحامين، وفي اللجنة الاستشارية لتحديث أنظمة النقابة .  وأعددتُ العدد الخاص لمجلة العدل للعام 2007 المتعلق بمحاضرات التدرج التي ترأستها خلال العامين 2005-2006 . كما مثلَّتُ مجلس النقابة في أعمال تأسيس منتدى المحاميات العربيات في البحرين .

فضلاً عن ذلك، مثلَّتُ مجلس النقابة في عدة مؤتمرات محلية وعربية وخاصة في اجتماعات المكتب الدائم لاتحاد المحامين العرب في عمَّان وثم في القاهرة.

ولأن شعوري كان دائماً : “من الانتساب إلى الانتماء ، ومن الانتماء إلى الإنماء” ، ولأنّي أردْتُ أن أجعل من هذا الشعار مدرسة لي وأحوّله من شعور إلى عمل منطقي عقلاني علمي ، ترَّشحتُ في العام 2009 لمركز نقيب المحامين في بيروت  ، وفزتُ ، وكنتُ أول إمرأة في الشرق الأوسط تصل الى هذا المنصب، إلا أنني اعتبرتُ هذا النجاح فوزاً للرجل أكثر مما هو للمرأة من حيث اعتباره تغييراً للواقع ونجاحات للفكر الحضاري .

وقد وضعتُ برنامجاً لانتخابات النقابة وعملتُ أثناء ولايتي على تحقيقه وطنياً وقضائياً ومهنياً .

2كأول امرأة نقيبة للمحامين في لبنان، كيف تقيّمين هذه التجربة، وكيف كان تفاعل وتجاوب أعضاء النقابة، تسهيل أم تعقيد، أم ما بين بين؟

بين 6 كانون الثاني 1932 ، تاريخ بدء عهد المحاميات في لبنان بقبول نقابة المحامين طلبَ السيّدتين نينا طراد وبوليت تامر و15 تشرين الثاني 2009 ، تاريخ انتخابي أوّل نقيبة محامين في لبنان ، مضى نحو ثمانية عقود تقبل في خلالها عددٌ من المحاميات بالنشاط والدقة والمثابرة والحماسة في العمل والتصلب ، والسلطة ، وبرزتْ منهن خطيباتٌ شهيرات أمثال نينا طراد ، وأعضاء في مجلس النقابة أمثال جاكلين مسابكي وصونيا إبراهيم عطيّة ولودي مسعود نادر وعليا بارتي زين وندى تلحوق حيث أظهَرْنَ نشاطاً وجدارة ، وباحثاتٌ ومحاضِراتٌ ومؤلِّفات أمثال لور مغيزل .

ومنذ ذلك التاريخ ، مضت النساء المحاميات يُثبِتْنَ كفاءاتهن أمام القضاء وقد انطلَقْنَ لا يُعيقهن وَهَنٌ بدنيّ ، أو نقص في الصوت ، أو قصور في المعارف ، أو خَوَرٌ في الجرأة والبلاغة ، ولا وَجَلُ بعض أصحاب الدعاوى إزاءَ فكرة تفويض الدفاع عن مصالح المواطنين إلى امرأة .

وتقدَّمْنَ بخطى وئيدات ولكن حثيثات إلى الصفوف الأولى وقد حُزْنَ ثقة الزملاء وحَظِيْنَ بتأييدٍ منهم ومساندة ، وأثبتنَ في كل موقف ومفصل أن النساء شقائق الرجال .

وليس لي ، اليوم ، وقد أغْدَقَ عليّ الزميلاتُ والزملاء أصواتهم ، في انتخابي عضواً في نقابة المحامين ، ثمّ نقيبةً لهم ، أنْ أشكو لديهم تمييزاً جندريّاً أو تفريقاً طائفيّاً أو مذهبيّاً أو مناطقيّاً . وأعتبر أن فوزي بمنصب نقيب هو انتصار للرجل وليس للمرأة، للرجل على الذهنية القديمة وعلى التعصب ؛ فالمحاميات والمحامون يظلّون طليعة الوعي والوطنية ، وحملةَ نبراس التقدميّة والديمقراطية ، إلّا أفراداً وأصواتاً يعيشون في كهوف الماضي وينسجون من خيوط العناكب خطبَ الحقد وقصائدَ الرجعيّة .

وكما قلت أعلاه، لأن شعوري كان دائماً : “من الانتساب إلى الانتماء ، ومن الانتماء إلى الإنماء” ، ولأنّي أردْتُ أن أجعل من هذا الشعار مدرسة لي وأحوله من شعور الى عمل منطقي عقلاني علمي ، ترَّشحتُ في العام 2009 لمركز نقيب المحامين، وفزتُ ، وكنتُ أول إمرأة في الشرق الأوسط تصل إلى هذا المنصب ، إلا أنني اعتبرتُ هذا النجاح فوزاً للرجل أكثر مما هو للمرأة من حيث اعتباره تغييراً للواقع ونجاحات للفكر الحضاري . وقد لاقى نجاحي هذا صدى واسع على الصعيدي الإقليمي والعالمي حيث تلقيتُ العديد من إتصالات التهنئة من مسؤولين رسميين وحقوقيين عرب وأجانب إضافةً إلى اتصالات تأييد ودعم من مجالس نسائية في مختلف أنحاء العالم .

وضعتُ برنامجاً لانتخابات النقابة وعملتُ أثناء ولايتي على تحقيق الجزء الأكبر منه وطنياً وقضائياً ومهنياً .

إن هموم عصرنة النقابة وعملقتها واستكمال مأسستها استحوذت على تفكيري ، وجعلتني أكثّف العمل ، وأَضغُطُ الزمن ، وأضاعف الغلال.

ولستُ أُفشي سرّاً إن قلتُ إن غايةَ سعادتي كانت أن أُسعدَ الزملاءَ والزميلات ، وانْ أُسعدَ بلقائهم والاستماع إليهم ، وتلبيةِ مطالبهم ، ومحادثتهم حديثَ الأخوّة والصداقة والمحبّة.

ألِفْتُ التعب اعتباراً منّي أنّ نيلَ المطالب لا يكونُ بالتمني.

في رأسي إعصارٌ دائمُ الهبوب ، وحاملُ طموحات لجعل نقابتنا مثالاً أعلى يحتذيه الآخرون.

مكتبي مَنْحَلَةً تَحوَّل قفيراً طنينهُ لا ينقطع ، والجنى يتواصل ، والعسلُ يُصَفّى في الجرار.

فإنّ تجربتي كأول نقيبة امرأة للمحامين في بيروت كانت تجربة ناجحة بالنسبة لي وأترك لزملائي المحامين وللغير تقدير هذه التجربة والآثار والأعمال التي تركتُها وقمتُ بها . وبأيّ حال إن الوكالة التي حمّلني بها زملائي هي مستمرّة في ذهني وفي ضميري ولا يحدّها لا تاريخ ولا جغرافيا . وأنا عضو دائم بحكم القانون وبحكم الممارسة في مجلس النقابة.

أمّا عن تاريخ المرأة المحامية

أ‌.        كان معهد الحقوق الفرنسي يمنع الإناث أن يتلقّين العلمَ فيه في العام 1928، قرّر قبول الطلبات، بشروط وعلى مراحل:

1-    أن لا يحضرن الدروس

2-    أن يكنّ من حملة البكالوريا (ولم يكن هذا الشرط يطبّق على الذكور).

3-    أن يجلسن في مؤخرة قاعة الدرس.

4-    عام 1930، سُمحَ للطالبات أن يتابعنَ التحصيل إلى جانب الطلبة.

ب‌.   في نقابة المحامين في بيروت:

عام 1932، تقدمتْ كل من نينا طراد وبوليت تامر إلى مجلس النقابة بطلب قيدهما في سلك المحاماة.

لاقى هذا الطلب حرباً ومحاربة،  إنقساماً في الرأي العام،  مساجلات صحفية ومنابر.

أُريق حِبْر كثير تأييداً وتنديداً، تقبّلاً ورفضاً، والحجج المتصارعة عنيفة.

والذرائع كانت تنمّ عن رجعية وتخلّف وجهل وغرائزية، وكأنّ الطاعون حلّ في البلاد، وتهديد وتهويل واستنجاد لإنقاذ البلاد من كوارث تذرّ الرماد في العيون وتستّر على الحقيقة وإخفاؤها غشاً واحتيالاً وتضليلاً وتمويهاً، ومنها:

1-    إزدياد عدد المحامين فوق طاقة البلاد.

2-    حصول فضائح تجعل الآداب العامة في خطر.

3-    تأثر العدالة باللحاظ الساحرة فتتحول عن سيرها الأصولي.

4-    تفكك عرى العائلة في سبيل المهنة والكسب.

5-    جلوس المرأة على منصة القضاء حرام.

تذكير بسوابق فرنسية:

عندما طلبت الآنسة جانّ شوفين (Jeanne Chauvin) أن تُقسم يمين المحاماة، ردّت محكمة استئناف باريس الطلب، بتاريخ 30 تشرين الثاني 1897.

إلّا أنّ قانوناً صدر في الأول من كانون الأول سنة 1900 أجاز للنساء أداء اليمين وتسجيل أسمائهنّ في الجدول. وقد أثار هذا القانون في صفوف المحامين الفرنسيين معارضة شديدة، وأطلق حروباً كلامية عنيفة.

Maurice Garçon, La justice contemporaine, p.694

إنّها أقوال غريبة لا تعدو التُهَم الظالمة التي واجهت المرأة الطامحة إلى مزاولة المحاماة في كلّ أنحاء العالم (بلجيكا، فرنسا، لبنان…).

ومن تلك الأقوال في فرنسا التي اُطلقت للحيلولة دون بلوغ المرأة مُرادها:

Robe sur robe ne vaut.

ومن أقوالنا في لبنان وما شابهه من عللٍ وأمراض : المرأة هي الشرّ كلّه، المرأة ريحانة لا قهرمانة، المرأة باب جهنم، هي الأفعى وتُسقى سمّاً، هذه الناقصة عقلاً وحظّاً وديناً …

بينما المرأة عندنا، كما هي في كل مكان، لا يوهِن عزيمتها خوف، ولا يُقعدُها تحدٍّ، ولا يؤخّرها عن الإقدام صعوبات، ولا يُضْعف معنوياتها مخاوف، ولا يُحْبطها تهديد.

وفي المحاماة كما في كل الميادين، تصمد، وتواجه، وتنافس، وتتفوّق، وتتقدّم. وتُثبت في كل ميدان ومضمار أنها الجديرة، وأنها المؤتمنة على الأسرار والثروات، وأنها الرسولة، وأنها المؤتمنة على القيم. وأنها المنتصرة : لم تستجدِ، لم تتسوّل، لم تتوسّل، لم تقبع في خِدْرها، لم تعتكف في الزوايا، لم تنكفىء، لم تنسحب، لم تنطوِ على ذاتها، لم ترضِ الهوامش.

نازلت، قاتلت، حاربت، بارت (مباراة)، نافست، جابهت، صارعت، تحدّت، تصدّت، هزمت العوائق، أزالت العقبات، انتصرت على العراقيل والمعرقلين.

هكذا في المحاماة، هكذا في كل مهنة وحرفة وفن وثقافة وطموح.

وهكذا في السياسة، لا ترتضي كوتا، ولا تقبل منّة، ولا تلتمس صدقة، ولا تتسوّل منصباً. بعرق جبينها تأكل خبزها، وبما غزلت يمينها وحاكت يسارها تلبس وتتزيّا وتتّشح. فيا أخواتي، يا نساء بلادي، إتَّقيْنَ عارَ الكوتا.

3على صعيد لبنان، رغم التقدم الملموس في واقع المرأة وموقعها السياسي، فهي لم تزل بحاجة للدفع. النقابة بدورها شاركت بهذا الدفع، عقدت مؤتمرات ودعمت المطالبة بمشاركة المرأة في القرار السياسي. هل كان ذلك كافياً أم مطلوب دور أكبر للنقابة في هذا المجال؟

حقوق المرأة وواجباتها

1-حقوق المرأة

أ – المرأة عموماً

كان مؤتمر المرأة الذي عُقد في العام 1975 في المكسيك بداية تحوّل في قضية المرأة . وقد توالى ، بعد ذلك ، عقد العديد من المؤتمرات الدولية والاقليمية والوطنية . غير أن المؤتمر العالمي الرابع الذي عُقد في بكّين عام 1995 يُعْتَبَر بحقّ ، علامةً بارزة إن لجهة عدد الجمعيات الأهلية المشاركة ، أو للشعور بالتضامن الذي ساد بين النساء المشاركات ، أو لظهور مفاهيم جديدة مرتبطة بقضية المرأة ، ومن أهمّها الربطُ بين قضية المرأة والحقوق الانسانية الأساسية ، والتأكيد على أن تلك الحقوق لا تتجزّأ ، وعلى ضرورة أن تتمتّع المرأة بموقعٍ مساوٍ للرجل في علاقات القوة والسلطة والنفوذ . كما ظهر في المؤتمر مفهوم التمكين .

وقد ساعدت أربعة عوامل على اكتساب موضوع حقوق المرأة زخماً في العالم كلّه :

-أوّلُها : هو التغيير الذي حدث في النظام الاقتصادي وما واكَبَه من زيادة فرص التعليم أمام المرأة .

-ثانيها : هو التقدّم التكنولوجي في علم الأحياء ( البيولوجيا ) وعلم الصيدلة ( الفارماكولوجي ) والطب ، وهو التقدّم الذي انعكس إيجاباً على الحمْل والإنجاب .

-ثالثها : قيام الحركات النسائية ونشاطها المتزايد في أوائل السبعينات .

-ورابعها : إنتشار أفكار العولمة ، والتواصل بين أصوات النساء وتبادل خيراتهن ، وسهولة التقائهن في أنحاء العالم .

كما أن المواثيق العالمية الحديثة مثل ميثاق الأمم المتّحدة والإعلان العالمي لحقوق الانسان وغيرهما من المعاهدات والمواثيق الدولية التي أكّدت المساواة بين الرجل والمرأة في كافة الحقوق والواجبات ، قد ساعدت ، جميعُها ، على ترسيخ هذا الإدراك .

ولعلَّ من أهمّ تلك المعاهدات إتّفاقية الأمم المتّحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة . هذا ، وقد تبنّى مجلسُ الأمن الدولي في تشرين الأول 2000 القرار 1325 بشأن دور المرأة في إنجاز السلام العالمي والذي يحثّ فيه الدول الأعضاء على ضمان زيادة تمثيل المرأة على جميع مستويات صنع القرار في المؤسسات القائمة على منع الصراعات وإحلال السلام .

كما طالب القرار بزيادة دور المرأة وإسهامها في عمليات السلام استناداً إلى محورية دورها في دعم فرص السلام والديمقراطية والتنمية ، وفي مبادرات وقف العنف ، وفي إعادة الإعمار ، وفي نشر ثقافة التسامح بين الشعوب ، وفي توسيع مساحة التعاون بين مختلف الأطراف .

ولا يَخْفى على أحد أن العقود الأخيرة شهدت اعترافاً متزايداً بالدور الطليعي والمميز الذي لعبته المرأة في المجتمع . ونشيد، هنا ، إلى الدعوة التي وجّهها المجلس الاقتصادي الاجتماعي في قراره عام 1990 إلى مشاركة المرأة في هياكل السلطة ومواقع صنع القرار بنسبة 30% والعمل على تعبئة المجتمع رجالاً ونساء وتوعيته للقيام بتغيير المواقف المجتمعية السلبية المتحيزة ضد المرأة ودورها في صنع القرار .

ب – المرأة اللبنانية

إذا نظرنا إلى موقع المرأة اللبنانية في علاقات القوة والسلطة والنفوذ ، نجد أنّها ما زالت تحتلّ موقعاً ضعيفاً في السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية ، وإنها تكمل مسيرتها نحو إشغال حيّز مهمّ في السلطة القضائية .

-I- في السلطة التشريعية أو مجلس النواب

نشير إلى أن نسبة المرأة في كل أنحاء العالم في البرلمانات تتراوح بين 1 و 15 بالمئة ، باستثناء ما هي عليه الحال في ثلاثة بلدان هي إسبانيا والسويد وتشيلي حيث أخذت المرأة مجمل حقوقها .

أما في لبنان فغالباً ما يكون عدد السيّدات النائبات في المجالس النيابية قليلاً جداً ، وكأنّنا أمام سياسة وأد المرأة اللبنانية سياسيّاً . فقد تكون النيابة من نصيب سيّدتين أو ثلاث من المحظوظات عائليّاً أو سياسيّاً أو ظرفيّاً.  أجل ، إنّ أولئك النائبات والوزيرات وَصَلْنَ لأن القيادة السياسيّة قدّرت ذلك . وقد تعمل المرأة اللبنانيّة ضد مصلحتها وقد لا تشعر بذلك . فقد تُسْقِطُ المرأةُ المرأةَ في الانتخابات وقد تعطي صوتها إلى من لا يراعي مصلحتها أو إلى من يقف حائلاً دون تحرّرها من العوائق التي تعترض طريقها. وقد نقع في مجتمعنا على رواسب ذكورية لا ترغب في منايا طويّاتها في أن ترى المرأة حرّة ومستقلّة برأيها وفكرها وموقفها ، بل يريدون لها أن تكون زهرةَ ربيعٍ في حدائقهم .

ويرى بعضهم ، كما يرى بعضُهنّ، وجوب العمل بنظام الكوتا في انتخابات مجلس النواب . وقد تضاربت الآراء حول هذا النظام :

فمنها من يعتبر أن نظام الحصص يساعد بالرغم من شوائبه على تعزيز  ثقافة سياسية جديدة تمكّن المرأة من تولّي أدوار رفيعة في الحياة العامة كالمناصب البرلمانية والوزارية والرئاسية .

ومنها من ينتقد نظام الحصص معتبراً أنّه يشكو من خلل لأنه يُغفل الكفاءات ولا يضمن تعيين المرأة ذات الكفاءة والمهارة في الهيئة التشريعية. وقد يؤدّي نظام الحصص إلى تعيين المرأة التي لا تتمتّع بدعم قوي على مستوى مناصب القاعدة ، وإلى تعزيز الحكم بالوكالة إذ يمكن أن تكون المرأة المنتخَبة بمثابة واجبها لزوجها أو والدها أو أخيها .

وبالعودة إلى المادة 4 من إتّفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، نرى أنّها تتضمّن شرحاً لنظام الحصص ، وتصفه بأنّه تدبير خاص ومؤقت لتعزيز تمكين المرأة وللإسراع في تحقيق المساواة بينها وبين الرجل في الحياة السياسية ؛ وتؤكّد المادة المذكورة أنه ينبغي وقف نظام الحصص هذا حالما تتحقّق المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في المشاركة السياسية .

وإذا عُدْنا إلى الجدول 4 الذي أثْبَتَتْه اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا ( الإسكوا ) في العام 2009 ، نُفاجأ أن المرأة اللبنانية تحتل نسبة 4.7 من عدد النواب اللبنانيين الـ 128 ( أي الدرجة ما قبل الأخيرة في البرلمانات العربيّة ، بعد الكويت 3.1 ) في حين يبلغ نسبة عدد النساء في العراق 25,5 ، وتونس 22.8 ، والإمارات العربية المتّحدة 22.5 ، وسوريا 12.4 … وترتبط هذه النُّسَب المئوية المرتفعة في البرلمانات الوطنية في تلك البلدان العربية المُشار إليها أعلاه ارتباطاً مباشراً باعتماد نظام الحصص أو طريق التعيين .

مهما يكن الأمر ، فإننا نُبدي رأينا الصريح ونكرّره بأننا ضد نظام الحصص الذي يؤلّف تمييزاً لصالح المرأة غير مبرّر ، وبأنّنا مع المرأة الناشطة والطَّموح التي تستحقّ المنافسة ، والتي تكون جديرة باقتحام الساحات ، وتذليل الصعوبات ، ونيل ما تستحق من مناصب دون منّة ودونما تمييز ، ودونما صَدَقات وحَسَنات من أحد .

فالقضاء، مثلاً، مشرَّع أمام النساء ، فمن كان لديها العزم والإرادة الصلبة فلتقتحم وتَغْتَنم وتعود بقصب السَّبْق . فلا تستجدي، سيّدتي ، ولا تتملّقي ، ولا تستزلمي . وليكن لك من ثقتك بنفسك وبشعبك وبمواطنيك والمواطنات ومن أَنفتك والشهامة ما يجعلك ترفضين الفُضالات : فإمّا خبزٌ معجونٌ من شرفٍ وعزّةٍ وملتوثٌ بعرق الجهاد والكفاح وثقة الناخبين وإمّا مُضيٌّ في نضالٍ لا يتوقّف . إياكِ ، سيّدتي ، إيّاكِ والسقوطَ في تجارب الإغراء … تذكّري على الدوام أن الأمّة نسيجُ الأمّهات .

-II- في السلطة التنفيذيّة

من لبنان ، انطلقت أوّل معركة ناجحة في العالم العربي لنيل الحقوق النسائية السياسية ، وقد تمحورت حول حق الإقتراع ، أساساً ، والترشح للندوة البرلمانية ثم ولوج وزارات معيّنة كالشؤون الاجتماعية والتربية بدرجة ثانية .

وقد سُوِّغت هذه المطالبة بالاستناد إلى شرعة الأمم المتحدة ، ووثيقة إعلان حقوق الإنسان وقرارات لجنة شؤون المرأة التي أقرّها مندوب لبنان لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي وأبرمتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة ، والدستور الذي يساوي بين الرجل والمرأة في الواجبات والحقوق ، وسّوغت بالاستناد إلى كون المرأة بذلت جهوداً في سبيل قضيّة الاستقلال والجلاء .

اعتباراً من تسعينيّات القرن الماضي ، وتعليقاً على اتّفاقيّة إلغاء جميع أشكال التمييز ضد المرأة ، نقرأ في التقرير الرسمي الصادر عن الهيئة الوطنيّة لشؤون المرأة العام 2000 ما يلي :

“أمام تقاعس السلطات القانونية والسياسية عن إعطاء دور فعّال للمرأة في صنع القرار الوطني واتّخاذه، واستناداً إلى المادة 7 من اتّفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وتوصيات مؤتمر بيجين …  طرح (المجلس النسائي) فكرة رائدة ألا وهي إعطاء كوتا لصالح النساء في الحياة السياسية ، أي إجراء محاصّة في ميادين صنع القرار الوطني إلخ . ”

يمكننا اعتبار الصيغة التي كُتبت فيها هذه الفقرة انعطافاً ملفتاً في اللهجة النسائية حيال قضايا النساء . فهي هنا صريحة ، غير اعتذارية أو متراجعة خلف أولويات مُفترضة كما درجت عليها العادة سابقاً . وهي مباشرة في مطالبتها المشاركة في مواقع القرار السياسي ، بخاصة . وفي ذلك استكمال بل تأكيد للصيغة التي كُتبت فيها الاستراتيجية الوطنية للمرأة اللبنانية – الأجندا التي أعدّتها ” اللجنة الوطنية لمتابعة شؤون المرأة ” و ” اللجنة الأهلية لمتابعة قضايا المرأة ” ( بعد بيجين ) . وفي هذه الصيغة ، نتلمّس مقاربة لقضايا المرأة بوصفها فرداً -مواطناً  ، لا طرفاً في علاقة أو دوراً اجتماعيّاً فحسب .

ولعلّ ما يميّز هذه الاستراتيجيّة أمور ثلاثة :

1-    جَهْرُها برغبة النساء عندنا بالمشاركة في صَنْع القرار ، والعمل على جعل هذه المشاركة قائمة في هيكليات مراكز القرار وإوالياته .

2-    كتابة الأهداف بتعابير عملانية ، ورصْد سبل تحقيقها في مجالات القانون ، ممارسة السلطة ، الاقتصاد ، الاجتماع ، التربية ، الصحة ، البيئة ، الإعلام ، الاحتلال ( بما في ذلك مناهضة التقاليد المكبلة لانطلاقة المرأة ) .

3-    إشارات إلى أن للنساء ” هواجس ” وطموحات ينبغي أن يُعَبّر عنها (في الاعلام مثلاً) كي لا يبقى الإعلام من صنع الرجل وموجّهاً إلى الرجل دون المرأة .

هذا من نحوٍ .

ومن نحوٍ آخر ، لم يكن وضع المرأة اللبنانية في السلطة التنفيذية بأفضل حالاً منه في  البرلمان ، على الرغم من أن تمثيل المرأة فيها يتم من خلال التعيين ، الأمر الذي أثار ويثير تساؤلاً حول مدى امتناع الحكومة بأهميّة تقلّد سيّدات مناصب وزارية ، في الوقت الذي تتواتر فيه التصريحات حول أهميّة تمثيلها في مواقع صنع القرار وضرورة دمجها في التنمية السياسية ، حيث لم تَحْظَ المرأة في الحكومات التي تعاقبت منذ العام 1992 وحتى الحكومة الحالية سوى بضعة حقائب وزارية من أصل أكثر من ثلاثمائة وزيراً من  الرجال ، ما يعني أن نسبة تمثيل الوزيرات إلى الوزراء هو أقلّ من 2،3 في المئة ، وهي نسبة متدنية لا يمكن اعتبارُها مؤثّرة.

إذا كانت أبواب المجلس النيابي ومجلس الوزراء شبه موصدة في وجه المرأة اللبنانية بحيث لا يلجهما إلّا قلّةٌ ، إلّا قليلاتٌ من ذوات الإمتيازات وصاحبات الحظوظ الخارقة ، أو ممن وُلِدْنَ في أبراج السعد ، أو كنّ سليلاتِ بيوتاتٍ عريقة أو زوجاتِ رؤساء ، أو ممن يُؤْتى بهنّ على سبيل الترضية أو التعزية أو التعويض أو التبعية .

إذا كانت أبواب البرلمان والحكومة تبقى شبه موصدة ، بل محظّرة على النساء بسبب من نظرةٍ دونيّة للمرأة ، أو بسبب من نظرة المرأة نفسها إلى ذاتها وإلى بنات جنسها ، أو بسبب من عقدٍ وهواجسَ ومفاهيمَ محنّطة في نفوس جهلة ومتعصّبين من الرجال ولو تَبَوّأوا السُّدَدَ العليا ، وفي نفوس المتشدّدين من رجال الدين ولو أضفوا إلى أسمائهم صفاتٍ وألقاباً قدسيّة ومقدّسة تنضح برارةً وبراءةً وتسامياً ،

أجل ! إذا كانت تلك الأبوابُ الدهريّة لا يَلِجُها إلّا المطهّرون الطاهرون من أبناء آدم دون بنات حوّاء ، فإن الشيء قد تبدّل بخلافه في الوظائف العليا وفي السلطة القضائية ، وذلك لم يحدث بمنّة ولا بصدفة ، بل نتيجة إصدار النساء الكفؤات الجديرات المميزات على تأكيد مكاناتهنّ وإمكاناتهن ، بالرغم مما اعترضَ مسيرتَهن من إقصاء وعرقلة وتهميش وتمييز ، ومما لا يزال يعترض سَيْرَهنّ المتصاعد من تحفظات ، وقيود وانتقاد .

أجل ! راحت تلك البوابات الحصينة تتهاوى عاماً فعاماً ، حجراً فمدماكاً ، وأخذتِ الرِّتاجاتُ العظيمة المغلقة تفتح فيها باباً صغيراً تنفذ منه فتياتٌ وسيّدات إلى الوظيفة العامة والقضاء كمن يتسلَّلُ خفيةً ، أو كمن يأتي مُنْكَراً . وما عَتَّمَ أن صارَ المدنّسُ مقدّساً ، والمرفوضُ مقبولاً ، والغريبُ مألوفاً ، وَبَزَغَ عصرُ المرأة فجراً بل عهداً للمرأة جديداً :

إعْتَلَت القوسَ سيّداتٌ فاعلولى بهنّ القوس وازدهت العدالة، وازدانت بأعدادهن المتزايدة قصورُ القضاء .

وكان من السيدات رئيساتُ مؤسسات رَسَّخْنَ الأُسُسَ وأَعْلَيْنَ البناء . وكان منهنّ المديراتُ العامّات يُبْدينَ على وظائفهن غَيْرَةَ الأمهات على منازلهنّ وساكنيها ، ويَرْتَقين بها إلى حدود الطموح والحداثة . وكان منهنّ سفيراتٌ ومستشاراتٌ وقُنْصُلات يَتَلألأنَ شرقاً وغرباً فَيَغْنى بهن لبنان ويفاخرُ بهن أبناؤه والبنات فَيُنْشدون :

أَولاءِ نُجَيْماتي فجئْني بمثلها إذا جَمَعَتْنا ، يا صديقُ ، المجالسُ!

وفي الخلاصة ، إن المجتمع اللبناني ، على العموم ، مجتمع ذكوري كسائر مجتمعات البلدان العربية ، أو البلدان المتخلّفة ، التي لا تسمح للمرأة إلّا بحيّز محدود للحركة ، والتعامل معها بسطحية وكأنها لوحة زيتيّة أنيقة نعلّقها على جدران منازلنا ونتغزّل بها ليلَ نهارِ .

فلا نَعْجَبَنّ إذ نرى عدم تمتّع المرأة إلّا بهامش ضيّق من المشاركة في الفضاء العام … ومنها مشاركتها في الحياة السياسية والمراتب السلطوية والمدنية الرفيعة ، وذلك تأكيدٌ على أن بنية الدولة اللبنانية هي في الجوهر بنية أبويّة قَبَلية .

ونكرّر القول أن مشكلة مساهمة المرأة السياسية ليست قانونية ولا دستورية ، فالقانون والدستور لا يضعان عقبات في وجه مشاركة المرأة السياسية . ويبقى الواقع الاجتماعي بعاداته وقيمه وثقافته الذكورية هو العائق الأكبر في مساهمة المرأة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

هذا ونلاحظ أن مشاركة المرأة في الاقتراع تتّسع مع كل دورة انتخابية ، ولا يزداد حجمها في الترشّح والفوز بمقاعد البرلمان ، الأمر الذي يؤشّر إلى أن مشاركة المرأة السياسية لا تشهد تطوّراً ملحوظاً إلّا من زاويةٍ كميّةٍ بعيداً عن الفعّالية والتأثير .

وما يثير الدهشةَ أن معظم الفعّاليات في المسرح السياسي اللبناني هو مع المرأة ومع مشاركتها السياسية ؛ ولكنهم لا يتذكّرون المرأة إلّا في مواسم العملية الانتخابية ، في لحظة الإقتراع . فهم يحتاجون إلى صوتها ولا يعملون على تأصيل موقعها في الأحزاب والمنظمات السياسية ولا يدافعون عنها إلّا بصورة خجولة وباستحياء شديد .

ونحن لا نرى إحصاءات دقيقة عن حجم عضوية المرأة في الأحزاب والتنظيمات السياسية ، إن وُجِدَتْ فهي ضئيلة مقارنةً بحجم المرأة في المجتمع .

ولا نضيفُ جديداً إن قلنا إنه لا توجد سياسة جادّة من قبل الهيئات الرسمية والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني للإرتقاء بوضع المرأة بوجه عام ، وبخاصة المرأة المؤهّلة والمتنوّرة ، ولذلك يتعاملون معها بسطحيّة شديدة ، ولا يريدون لها إلّا أن تكون زينة في المحافل السياسية والتمظهرات الاجتماعية .

وبصورة عامة ، يمكننا أن نُجْملَ أسبابَ سقوطِ المرأة في الانتخابات إلى ما يلي :

1-    الثقافة والعادات والتقاليد الاجتماعية

فما هو شائع في ثقاقتنا التقليدية ، على العموم ، هو أن السياسة والإدارة السياسية للمجتمع شأنٌ لا يَلِجُهُ إلّا من تتوافر فيه صفاتُ الذكورة والقوّة وليس النعومة والأنوثة .

2-    عدم وعي المرأة لذاتها

فقد تعمل المرأة ضد مصلحتها وقد لا تشعر بذلك . فالمرأة هي التي تُسقط المرأةَ في الانتخابات ، وقد تعطي صوتَها إلى من لا يراعي مصلحتها ويقف حائلاً دون تحررها من العوائق التي تعترض طريقها .

3-    مؤسسات المجتمع المدني

ونعني الاحزاب والتنظيمات السياسية والهيئات والمؤسسات والتجمعات المدنية غير الرسمية . وهذه المؤسسات كلّها تقصّر في حق المرأة المرشّحة . هذه المؤسسات تكون مع المرأة من ناحية شكلية ، وضد المرأة من زاوية فعلية .

وبعض الهيئات والناشطين في مؤسسات المجتمع المدني يرتدونَ ثوبَ العصرنة ولكنهم يعيشون في كهوف مظلمة بأفكارهم ووجدانهم وسلوكياتهم غير المتحضّرة التي تتسم بالنجاجة والإقصاء والسخرية من المرأة ، ولا يريدون لها أن تكون حرّة ومستقلّة برأيها وفكرها وموقفها . إلّا أن علينا ألّا نتناسى الدور الفعّال لبعض المؤسسات المدنية الحضارية التي دعمت ترشيح المرأة قولاً وفعلاً .

وتحتّم الحقيقة علينا القول إن احتلال المرأة مقاعدَ في البرلمانات والمناصب الوزارية والدبلوماسية والوظائف الحكومية والإدارية والتنفيذية قد تبدو من ناحية شكلية أنها مؤشر على تقدّم المرأة ونيلها حقوقها ومساواتها للرجل ، ولكنّها في العمقِ لا تُعَدّ تعبيراً صادقاً عن مكانة المرأة في المجتمع ، ومدى تأثيرها الفعّال الكمّي والكيفي في إدارة شؤون المجتمع ، وفي الاشتراك في صَنْع القرار . إن المشكلة العويصة هي أن احتلال هذه المناصب لا يتمّ بصورة طبيعية ، وليس نتاجاً لنضالات المرأة ولا ثمرةً لجهود المجتمع المدني وقواه الحيّة ، وإنّما هي تفضُّل سلطوي من قِبَل الهيئات لتزيين واجهات الهيئات بالمرأة .

والخلاصة أن الثقافة التقليدية ، وضعف وعي المرأة والمجتمع ، وضعف مساندة المرأة من قِبَل الحكومة والمؤسسات المدنية ، وانعدام الرؤية الاستراتيجية ، هي من المسببات الرئيسية التي تؤدّي إلى سقوط المرأة في الانتخابات . وهذا يستدعي في المقام الأول أن تكون المرأة ديمقراطية في مسلكها وقيمها وعاداتها وتقاليدها قبل أن تطالب بالديمقراطية ، ويوجب ، في المقام الثاني ، أن تتخلّى الشخصيات النسوية ، ولو إلى حدّ ما ، عن البهرجات والنجومية واللهو وراء الشهرة على حساب حقوق المرأة ومكانتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يتمّ السكوت عنها ، وأن يَعْكِسْن همومَ وآهاتِ وأفراحَ وأتراحَ المرأة بطريقة لا تُخِلُّ بميزان العدالة والإنصاف .

2- واجبات المرأة

حقوق المرأة هي حقوق الرجل وواجباته واجباتها. ( مجالات الإعلام ، الطب ، الهندسة ، المحاماة – نقيبُ ، أساتذة – أستاذات جامعات ، مديرات ، عميدات ، قياديات في المؤسسات والشركات ، … وغير ذلك من أدوار .

دور المرأة في الأزمات الوطنية

كان للمرأة دور في معركة الاستقلال ، وهو دور لا يُستهان به مع أنه لم يتصدّر صفحات كتب التاريخ ، ولم تُنْشَرْ أسماءُ المناضلات في سجل من قَضَوا أو بذلوا المال والبنين من أجل حريّة الوطن وكرامته .

وعندما كان الانتداب يمنع تجمّع أكثر من ثلاثة رجال في الشارع ، كانت نساء تقود مظاهرات نسائية من أجل دعم الوطنيين ضدّ ممارسات الانتداب ، كما قُدْنَ مظاهرات احتجاجاً على رفع أسعار الخبز وعلى التضييق على حرّيات المواطنين في شتّى المجالات .

ويضيق المجال لذكر ما قامت به المرأة اللبنانية من أجل حرّية الوطن واستقلاله وفي سواها من الأزمات. لكن الأمر اللافت للنظر أن المرأة في لبنان -كما في معظم بلدان العالم- مغيبة تماماً عن التاريخ المدوّن. وكأن اسمها ليس جديراً بأن يُرْسَم في ذاكرة الأجيال ، أو أن مساهمتها لا تستحقّ أن تكون صنواً لمساهمة الرجل .

والحق يقضي علينا بالقول إنه لم يَحْدث أن وقفت المرأة اللبنانية مكتوفة الأيدي في أي أزمة مَرَّ أو يمرُّ بها بلدُها . وغالباً ما يُسَجَّل لها عمق انتمائها وأهمية تضحياتها ؛ ولكنه تسجيل شفوي لا ينتقل غالباً إلى اللغة المكتوبة :

كانت وما زالت تغذّي ما يندفع الرجال لفعله ، وتساهم بطريقة غير مباشرة في دعم النشاط الحربي . وعندما أخذت الحروب شكلاً وحشياً جديداً ، وبدت ترتسم صورة جديدة للمرأة في هذه الحروب ، عملت إسرائيل على تهجير النساء والأطفال من المناطق التي اغتصبتها ، وأخذت تركّز على النساء اللواتي جلسن على ركام البيوت التي هدّمتها ، فأضحت النساء ضحايا ، واقتلعهن الحقد الجبان من منازلهن وقراهن ، فَنَصَبْنَ الخيام ، وافتَرَشْنَ الأرض ، والتحفن السماء ووَضَعْنَ على الطرقات والمغاور أولاداً يحملون من المعاناة ما تحمله أمهاتهم وأخواتهم.

وهكذا يمكننا الايجاز أن الوطن هو وطن الرجال والنساء ، وأن الحياة يصنعها مجاهدون ومجاهدات لا يترددن في حمل السلاح والقيام بأعمال عسكريّة بطولية باهرة كما هي حال المناضلة سناء محيدلي وحالات سواها من البطلات والمعتقلات والشهيدات .

كما يمكننا الجزم بأنه كان للنساء اللبنانيات مساهمة بالغة في جهود تحررهن في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين ، وذلك عبر إصدارهن مجلّات تُعْنى بتحرير المرأة . وهكذا كان للمرأة دور جهادي وسياسي ، ودور اجتماعي ودور علمي ، فلم يقتصر دورها ، في أي مرحلة ، على البيت وتربية الأطفال .

المرأة اللبنانية والبيئة

دور المرأة في الحفاظ على البيئة هو أهمّ وأفعل من دور الرجل في المجتمع ، وذلك لأسباب منها :

1-    تكون المرأة هي المسؤولة الأولى في أكثر الأحيان عن توجيه الأجيال الطالعة وتوعيتها ، إذ يَسْهُلُ صقلُ الشخصيات في أعمار يافعة وتحضيرها لكي يصبح أصحابها مواطنين صالحين .

2-    لا تزال المرأة أبعد من الرجل عن المغريات المادية التي كثيراً ما تجعل بعض الرجال يغضّون النظر عن تشويههم للبيئة في سبيل المحافظة على مصالحهم الصناعية والاقتصادية .

3-    إهتمام المرأة بالطفل وخوف الأم على صحّة أولادها يجعلانها أكثر تحسّساً لموضوع تحسين البيئة .

4-    قرب المرأة والطفل من الطبيعة والتعامل معها في البيت وحوله وفي الحقول ، وخاصة في المجتمعات غير المتطوّرة يجعلانها أكثر عرضة مع أولادها لأضرار البيئة الملوثة ، وأوفر اهتماماً بمكافحة تلك الأضرار .

لماذا الإلحاح على دور المرأة ؟ أليس الرجل معنياً بهذا الأمر ؟ أليس مهدّداً هو بالخطر مثلَها ؟

جوابنا هو التأكيد على الأهميّة الخاصّة لدور المرأة وعلاقتها بالبيئة ، فهي صاحبة الصلة الوثيقة بالطبيعة ، بحكم العمل المفروض عليها ، بيولوجيّاً واجتماعيّاً . إن دور المرأة التناسلي يحتّم عليها رعاية الصحة البيئيّة لأنها مسؤولة مباشرة عن صحّة الجنين والأطفال وسائر أفراد العائلة .

فهي تقليديّاً تحضّر الطعام ، تستخدم الطاقة والمياه ، وتقوم بعمليات التنظيف والغسل ، والتدفئة والتبريد والتجميل والعناية بالمرضى … الأمر الذي يجعلها أكثر من الرجل عرضةً للأخطار الناجمة عن هذه المهام .

وبحكم هذا الدور هي التي تختار ما تستهلكه الأسرة من مواد غذائية أو منتجات ضروريّة للقيام بأعمال المنزل ، لذا بإمكانها أن تشكّل فريقاً ضاغطاً لتحسين نوعية الإنتاج ووسائله وذلك للتخفيف من التلوث والضرر الناجمين عنهما ليس في بيئتها الضيّقة وحسب بل في الكون أجمع .

على المرأة أيضاً أن تستفيد من القوة العددية التي تملكها على أنّها تشكّل نصف سكّان العالم ، للضغط على المسؤولين ، وحملهم على اتخاذ القرارات الواعية في عمليات التنمية، من أجل حماية البيئة وإنقاذها من الأخطار المحدّقة بها من تلوث وفقر وجهل وتكاثر سكّان، وحروب وتصحر ، وضياع الثروات الطبيعية .

كما … المرأة هي عماد الأسرة ومرشدتها وهي التي توجه الأجيال ، وترسّخ في أولادها مفاهيم حماية البيئة والمحافظة عليها واحترام الآداب العامة . فمن البديهي القول إن تثقيف المرأة وتنمية قدراتها لمزيد من الحفاظ على البيئة أصبح أمراً ضرورياً في لبنان وبلاد العرب .

لــذلــك ،

وفي سبيل صيانة البيئة والتنمية المستدامة ، يقتضي :

أولاً – توعية الرأي العام بمدى تدهور البيئة .

ثانياً – إبراز أهميّة دور المرأة في التنمية المستمرّة ، والتأكيد على أن لا تنمية في غياب المرأة عن مراكز القرار .

ثالثاً – التنسيق بين المؤسسات والهيئات المحليّة والاقليميّة المهتمّة بالبيئة ، والتعاون فيما بينهما .

رابعاً – حمل المرأة على تنظيم مجموعات ضاغظة على المجتمع حفاظاً على البيئة .

خامساً – المطالبة بزيادة عدد المحميات الطبيعية قبل فوات الأوان .

سادساً – مطالبة الهيئات الرسمية في لبنان والعالم العربي بإعطاء البيئة اهتماماً خاصّاً ، ورسْم سياسة بيئيّة للإعلام والبرامج الثقافية والإنمائية ، وإدراج موضوع البيئة في المناهج المدرسية والجامعية ، نظراً لأهميّة دور الأولاد والشباب في هذا المجال .

سابعاً – إشراك المرأة اللبنانية والعربية في برامج الحفاظ على البيئة .

ثامناً – أخيراً ، وليس آخراً ، المطالبة الملحّة بإعادة تحريش لبنان . لنعمل معاً على إحياء ” يوم الشجرة ” تحت شعار ” إزرع ولا تقطع ” حيث يساهم الجميع في عمليّة الزرع من طلّاب وأساتذة والجيش والموظّفين والعمّال وأعضاء جمعيات البيئة ، وربّات البيوت …

كلمة أخيرة

إن إتّفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة ( المعروفة باتفاقية سيداو ) أصبحت جزءاً من القانون الدولي لحقوق الإنسان ، وقد شكّلَ تبنّيها علامةً فارقة في تاريخ الحقوق الإنسانية للمرأة . وهي تُعْتَبَر في جوهرها ” إعلاناً عالمياً لحقوق المرأة ” ، كما تُعْتَبَر بمثابة تشريع دولي شامل للمعايير القانونية لحقوق المرأة .

وتُعلِنُ ديباجةُ هذه الإتفاقية أن هذا التمييز يشكّل انتهاكاً لمبدأي المساواة في الحقوق ، واحترام كرامة الإنسان ، وعقبة أمام مشاركة النساء على قدم المساواة مع الرجل في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في دولهن ، ويُعيق نموَّ ورخاء المجتمع والأسرة ، ويَزيدُ من صعوبة التطور الكامل لإمكانيات الجنسين والتنمية البشرية .

فإذا كان هذا هو غرضَ اتفاقية سيداو ، وهذا هو الهدف ، وإذا كانت ميّزةُ هذه الاتفاقية هي الإلزام لأنها اتفاقية ملزمة للدول الأطراف ، فكيف يمكن لبنانَ والدولُ العربية التي تحفّظت على بعض موادها تحقيقُ ذلك ؟

جوابنا هو أن معظم الدول العربية التي صدّقت على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، ومنها لبنان، والتي تبتغي، فعلاً، القضاءَ على جميع أشكال التمييز، يتعيَّنُ عليها أن تعتبر أن حقوق المرأة هي كيان موحد غير قابل للفصل والتقسيم ، وأن تُسْقط جميعَ التحفظات على اتفاقية سيداو المذكورة .

أجل ! إن التحفظات تشكّل إقراراً من قبل هذه الدول – ومنها لبنان – بعدم احترام وتطبيق ما سَبَقَ لها أن وافقت وصادقت عليه من قَبْلٍ من المواثيق التي تتكون منها الشرعية الدولية لحقوق الإنسان ؛ كما تشكّل إقراراً من قبل هذه الدول – ومنها لبنان – بغياب الإرادة لديها لتحقيق المساواة بين الجنسين ، وبالتالي في الاعتراف للمرأة المواطنة بحقوقها الانسانية .

وإن التحفّظات في حدّ ذاتها تشكّل من الناحية العملية تمييزاً ضدّ المرأة مبنيّاً على أساس الجنس ، وتتعارض مع كلّ أمرٍ تهدف له هذه الإتفاقية . كما أن هذه التحفظات تضيف إلى التمييز بين الجنسين ، التمييز بين مواد الاتفاقية .

لذلك ، يقتضي رفع التحفظات على اتفاقية سيداو ، وملاءمة مضامين القوانين الوطنية لنصوصها حتى يتمّ إلغاء كافة أنواع التمييز بين الرجل والمرأة ، وإلّا ستبقى المصادقة على هذه الاتفاقية من باب المجاملة الدبلوماسيّة ليس إلّا ، إن لم نقلْ وسيلة للتفاخر والتباهي في الأوساط والمحافل الدولية . وإن جميع هذه الأفكار كانت ولا تزال موضوع نضال مستمر من قبل نقابة المحامين في بيروت وسائر النقباء والمجالس المتعاقبة .

4 – هناك قوانين جامدة يلتزم بحرفيتها القضاة. ما هي الآلية التي يجب أن تُتّبع لتصبح الأحكام بخدمة الإنسان، وليس تنفيذاً لنصوص جامدة؟

 المبدأ أن الأحكام تتغيّر بتغيّر الأحوال والزمان. وأنّ ليس من قانون شامل كامل.

والقانون الشامل والكامل في بلدٍ وعصر، لا يصحّ اعتماده في كلّ البلدان والأزمنة.

والحياة تتطوّر، والمفاهيم في تبدّل، والفلسفات والعلوم في تزاحمٍ وتسابق وتحوّل.

فلا بدّ للتشريع من مصاحبة المتغيرات والعادات والمفاهيم والاكتشافات والاختراعات.

وقد يكون المشترع كسولاً، أو رجعياً، أو جهولاً، أو عاجزاً عن اللحاق بما يستجدّ ويطرأ.

على القاضي، عندئذ، ألّا يقف مكتوف اليدين، حائراً ذاهلاً، متذرعاً بغياب نصٍّ أو غموض مادة، متكفئاً عن بتّ المشكل، مستنكفاً عن إحقاق الحق.

يترتب على القاضي، في مثل هذه الحال، والحالات كثيرة في هذا المجال، أن يجتهد، وأن يتقصّ، وأن يستجلي الغامض.

عليه أن ينطلق من النص إلى ما هو أبعد وأشملُ وأعمقُ من النص. عليه أن يقدّر… ويستنسبَ، ويفسّر، ويؤَوّل، ويُفيد من اجتهادات المحاكم الأُخرى، وربّما، اجتهاد القضاء الأجنبي، فيستخرج منها قواعدَ عامّة للفصل في القضية الخاصة المعروضة عليه، أو لحسم نقاط قانونية تفصيلية قد تَسُدُّ ثغراً في القانون المحلّي.

كما على القاضي أن يسترشد بكتابات علماء القانون ونظريات الفقهاء.

في المختصر، على القاضي أن يستفرغَ جهده لإصدار قرار عند غموض النصّ، أو جموده، أو تحجّره.

جاء في الكتاب المقدس أن الحرف يقتل والروح تُحْيي.

وتحدّثت تقنيات الأقدمين والمحدثين والمعاصرين والفلاسفة (أمثال مونتسكيو) عن قاعدة ذهبية فحواها روحُ الشرائع (L’esprit des lois).

ومنذ القرن السادس عشر، حثّ الفيلسوف الفرنسي الإنساني (humanitaire) فرانسوا رابليه (François Rabelais) سامعيه ومريديه وقرّاءَه على استخراج زُبدة الموضوع دون زَبَدِ الغثاثة والطفاوه، بقوله: حَطِّمِ العظْمَ وأَخْرِجْ من قناياهُ النخاعَ الشكويّ المغذّيَ والمُقيت.

كذلك حال القاضي إزاءَ النص الجامد. عليه أن يُعمِلَ النصَّ لا أن يُهملَه. عليه أن يغوص إلى بواطنه فلا يكتفي بالشواطىء.

عليه أن يستخرج اللآلىءَ ممّا يُحيقُ بها من طِين وصَلْصال إذْ “مَعدِنُ الذهبِ الرغامُ”.

عليه أن يُرَوْحِنَ النصّ، أن يستنطق الجماد، أن يحرّك الساكن، أن يبعثَ الحياة في الكلمات المَوات، أن يغوصَ إلى ما هو لُبابٌ وجوهرٌ وصميم، أنْ يُطَرّيَ الناشف، أن يُليّنَ الخَشن، أن يُؤَنْسِنَ الحدّة والشدّة، أن يجعل اجتهاده باباً لتحديث القانون وجعله يتلاءم والحداثة ويَتَواءَمْ والعصرنة.

فإنْ لم يفعل ذلك – وهو عسير – كان قزماً مأزوماً، وكان من عقله في خواء، وكان على القضاء مَعَرّة.

5 إبان توليكم مركز نقيب، هل تمكنتم من تحقيق طموحات بتحديث آليات أو إجراءات كانت ببالكم؟

الريادة هي أوّل الإنجازات.

في العام 1897 ، طلبت الآنسة Jeanne Chauvin أن تقسم يمين المحاماة ، فردّت محكمة إستئناف باريس الطلب.

وعندما صدر في العام 1900 قانون يجيز للنساء أداء اليمين وتسجيل أسمائهن في الجدول ، ثارت في صفوف المحامين الفرنسيين معارضة شديدة ، وسُنّت حروب كلامية عنيفة يكلّمنا عنها بإسهاب المحامي والكاتب الأبرز موريس غارسون في كتابه المعنون ” القضاء المعاصر La Justice Contemporaine ” .

في لبنان ، لم تكن طريق المرأة إلى تعلّم الحقوق والانتساب إلى نقابة المحامين مزدانةً بالرياحين والزنابق . فقد كان معهد الحقوق الفرنسي يمنح الإناث أن يتلقّينَ العلم فيه . إلّا أنّه ، في العام 1928 ، قرّر قبول الطلبات شرط أن يكنًّ من حملَة الباكالوريا وأن لا يَحْضَرْنَ الدروس ، ثمّ أبدى المعهد مرونة وتساهلاً عندما سمح لهنّ ، بعد عامين ( أي 1930 ) بمتابعة التحصيل إلى جانب الطلبة.

وعندما تقدّمت كلّ من نينا طراد وبوليت تامر ، في مطلع العام 1932 إلى مجلس النقابة بطلب قيدها في سلك المحاماة ، قرّر المجلس بالأكثرية قبولها.

ومنذ ذلك الحين ، يتضاعف عدد المحاميات في لبنان.

إذا كانت نينا طراد أوّل محامية في لبنان ، فأنا أوّل نقيبة محامين . إلّا أنّ الأمانة تقضي عليّ بأن أعترف بفضل عوامل جمّة تضافرت وأسهمت في وصولي إلى رئاسة النقابة منها :

1-                إنتمائي إلى عائلتين حقوقيتين .

2-                ظهور سيدات محاميات في سماء المحاماة وطّأنَ السبيل للآتيات بعدهنّ وعلى خطاهنّ ، وقد بذلنَ في سبيل العلم والقانون والوطن والألمعية والتميّز والتفوّق جهوداً جبّارة وأثبتنَ جدارة ونشاطاً عجيباً .

3-                بيئة المحامين هي موطن العلماء والمقدّمين والبارزين والتقدميين الذين لا تعقلهم  طائفية ، ولا تُقعدُهم إقليمية ، ولا تحركهم عصبية ، بل يتطلّعون نحو الأفضل والأجدى ، ويختارون من يرون فيه ثبات الماضي ، وتوثُّب المستقبل ، وتطلّعات الآتي من الأيام .

4-                إلى السلف العام والخاص ، وإلى البيئة المشجعة الخلّاقة والحاضنة ، أخذتُ الدنيا غِلابا ، وأدركتُ أنّ الأهداف الكبيرة لا تُنال إلّا على جسرٍ من التعب ، وأنّ على المرء والمرأة إن طمحا أنْ يطرحا الخوف والضعف ، وأن يأخذا نفسيهما بالشدة والعناء ، بالسهر والكد والصبر والاقتحام ، وأن يُثبتا لمن حولهما كفاءتهما والجدارة .

وهذا ما كنتُ أقوم به ولا أزال منذ تاريخ انتسابي إلى النقابة ، إلى يوم انتخابي عضواً في مجلس النقابة ، إلى حين اختياري نقيبةً بفيضٍ مدرار من أصوات الزملاء ،

لا فرق عندهم وعندي إن يكون العامل في سبيل المحاماة والمحامين ذكراً أو أُنثى ، بل المهم أن يكون خادماً وطليعياً ومقداماً ورسولاً .

أجل الريادة هي أول الإنجازات .

وشرف الوثبة أن تُرخي العُلى .

إلّا أن الريادة ليست وقفاً على الوصول ، بل الريادة هي في تحقيق ما جئت لأجله ، ما حققته ، ما قلته ، ما علّمته ، ما سجّلته في سجل نقابة المحامين الذهبي .

إسْمَحْوا لي بأن أُطْلِعكم على أهمّ ما حقَّقْتُ من إنجازات نقابية محضة .  فأذكر منها:

  1. توقيع عدّة بروتوكولات تفاهم أو تعاون ووضعها في حيّز التنفيذ :

–       مع دار صادر للنشر،  إطلاق بوابة إلكترونية قانونية،

–       مع جامعة لندن والجامعة الأميركية للتكنولوجيا، لتعليم LLM في النقابة،

–       مع دار الكتاب الالكتروني، لتجهيز مجاناً مراكز النقابة إلكترونياً،

–       مع شركة أدّيما ADDIM ، لوضع دراسة معلوماتية مجانية عن واقع ومستقبل النقابة،

–       مع المصرفين اللبناني الفرنسي وبيبلوس لمنح قروض ميسرة،

–       مع نقابة باريس للتعاون وتبادل الخبرات،

–       مع الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، لدراسة القوانين التي تعني حقوق المرأة،

–       مع قنصلية فرنسا للعامة لتسهيل تأشيرات “شنغن” للمحامين،

–       مشروع قيد الدرس مع جامعة القديس يوسف لإنشاء مركز للوساطة لدى النقابة .

  1. إطلاق يوم المحامي في 10/10/2011 و في 10/10/ من كل سنة ، بموجب قرار صدر لأوّل مرّة بالصدد بتاريخ 22/8/2011 وضع موضع تنفيذ عوض قرار مجلس النقابة تاريخ 23/9/ 2011. حيث عقد إحتفال مركزي في النقابة ووزّع قسم اليمين على بطاقة خاصة بالمناسبة وكانت هناك كلمة للنقيب وحفل استقبال ضخم في بيت المحامي.

 

  1. إقرار نشيد النقابة.

 

  1. زيادة الراتب التقاعدي.

 

  1. تعيين مدقق حسابات داخلي لصندوق التقاعد.

 

  1. تكريم المحامين المتقاعدين و عائلاتهم في حفل عائلي في النقابة.

 

  1. إحياء اليوبيل الذهبي للمحامين الخمسينيين.

 

  1. إعطاء منح الزواج والولادة والوفاة.

 

  1. استحداث غرف جديدة للنقابة في المناطق (بنت جبيل-رأس بعبلك) (والتحضير لتدشين غرفة في الهرمل)

 

  1. رفع المستوى المهني وتطبيق نظام اختبارات الانتساب إلى النقابة والانتقال إلى الجدول العام.

 

  1. تحصين إنطلاقة معهد المحاماة: ورش العمل فيه، توزيع إفادات المعهد…

 

  1. دورات مجانية في اللغة الفرنسية القانونية مع المركز الثقافي الفرنسي، وفي اللغة الانكليزية القانونية مع المركز الثقافي البريطاني، ودورات في المعلوماتية القانونية، ودورات متخصصة لبرنامج LLM.

 

  1. تنظيم وتفعيل والاشراف على محاضرات التّدرج والندوات والمؤتمرات.

 

  1. إطلاق البوابة الالكترونية القانونية.

 

  1. التشدد في مسلكية المحامين وتنقية الجدول العام.

 

  1. البت بالشكاوى والأذونات والإحالة الى المجلس التأديبي.

 

  1. المشاركة في التشريع (في لجنة الإدارة والعدل في مجلس النواب ولجنة تحديث القوانين في وزارة العدل وتفعيل اللجنة التشريعية في النقابة)،

 

  1. المشاركة في المؤتمرات العربية والدولية.

 

  1. إنجاز مشروع تعديلات بعض مواد قانون التقاعد والتحضير لعرضه على اللجنة لبتّه وجعله مماشياً للعصر.

 

  1. زيادة المرتّب التقاعدي لجعله مليوناً وأربعمئة ألف ليرة لبنانية.

 

ثمّة مشاريع اقترحتها على مجلس النقابة وعلى لجنة صندوق التقاعد دوّنت في محضر كلّ منهما . أذكر منها:

–       إقامة نصب تذكاري للمحامي بعيده.

–       السعي لدى الدولة تخصيص ساحة بإسم نقابة المحامين.

–       بَذل الجهدُ لإنشاء بيت راحة للمحامين المسنين.

–       وضع دراسة مشروع تأمين صحّي إختياري للمحامي المتقاعد.

أجل! إن هموم عصرنة النقابة وعملقتها واستكمال مأسستها استحوذت على تفكيري ، وجعلتني أكثّف العمل ، وأَضغُطُ الزمن، وأضاعف الغلال.

ولستُ أُفشي سرّاً إن قلتُ إن غايةَ سعادتي كانت أن أُسعدَ الزملاءَ والزميلات ، وأنْ أُسعدَ بلقائهم والاستماع إليهم ، وتلبيةِ مطالبهم ، ومحادثتهم حديثَ الأخوّة والصداقة والمحبّة.

هذا هو حصادي . جلُّه لا كُلُّه.

هذا هو جهادي . معظمهُ لا أجمعُه.

لم تُقْعِدني صعوبة.

لم تَنَل من عزيمتي مشقّة.

الشدائد ضاعفت عندي الثبات فلم أتردّد.

ولم يسيطر عليّ وهم ، ولم يساورني خوف.

ألِفْتُ التعب اعتباراً منّي أنّ نيلَ المطالب لا يكونُ بالتمني.

مكتبي مَنْحَلَةً تَحوَّل قفيراً طنينهُ لا ينقطع ، والجنى يتواصل ، والعسلُ يُصَفّى في الجرار.

في رأسي إعصارٌ دائمُ الهبوب ، وحاملُ طموحات لجعل نقابتنا مثالاً أعلى يحتذيه الآخرون.

6– ما هو دور نقابة المحامين في بلد ينتفض ويعتكف فيه القضاة رفضاً لتدخل السياسيين وللضغط  لصالح مناصريهم على حساب العدالة؟                                                                                             

المحاماة والقضاء مهنتان رسوليتان ، وهما شريكان في تحقيق العدالة ، كما أنهما صنوان في خدمة الحق . دور نقابة المحامين أساس ويختصر بما يلي:

– العمل مع الجسم القضائي على تأمين استقلالية القضاء ، بصورة فعلية تخدم مبدأ فصل السلطات .

– أفضل ما يرجى من القضاء عدل يسودُ الأحكامَ وإسراعٌ في إصدارها إيصالاً لصاحب الحق إلى حقه .

– التأكيد على تأمين مناعة القاضي ، فلا يخضع لترغيب أو ترهيب ، وهذا يستوجب تمتَع القاضي بحصانة دستورية بحيث يعمل بوحي الضمير والقانون والشعور بالمسؤولية بعيداً عن أي عوامل ضاغطة .

– التأكيد على الاحترام المتبادل بين أهل القضاء وأهل المحاماة ، بحيث تزول الهوّة وتمّحى الغربة بينهم من خلال تنسيق إيجابي ما بين مجلسي القضاء الأعلى ونقابة المحامين ومن خلال ندوات علمية مشتركة بين قضاة ومحامين تُعقد مداورة في ردهات قصر العدل ونقابة المحامين .

– السعي لاستدراك النقص القائم في عدد القضاة والمساعدين والقضائيين ، مما يخفّف كثافة الدعاوى العالقة في بعض المحاكم التي تشكو من الإختناق .

– المطالبة بتأمين أبنية حديثة لدور العدل ، بحيث تجهّز بمكننة تسمح بالتطوّر العلمي والتكنولوجي ، وتمنح  المتقاضين مناخاً سليماً وصحيّاً ، والقضاة والمحامين بيئة فاضلة لحياة قضائية تنبعث منها عدالة مريحة .

إعتبرت ، على الدوام ، أن المحاماة والقضاء جناحا طائرٍ واحد هو العدالة ، يصفّقُ الجناحان معاً فتحلّق العدالة وتسمو ، أو يتضمّرُ أحد الجناحين أو كلاهما فتهوي العدالة وتتهيّض . يتساميان معاً أو معاً يتهاويان . روحٌ واحدٌ روحهما فعبثاً يحاولان أو يحاول أحدهما أو يحاول سواهما منافرةً أو مفاخرةً أو إيقاعاً بينهما وانفكاكاً.

(خطاب النقيبة في افتتاح السنة القضائية، تاريخ 6/12/2010)

وفي تلك المناسبة خاطبت القضاة بقولي:

“أحبّكم ، يا قضاة بلادي ، باسطين أكفّكم للإعطاء لا للاستجداء ، متعالين عن شماتة الشامتين وشفقة المشفقين..”

وناشدتهم أن يبقوا القضاء رسالةً لا يأتيها إلاّ أبرارٌ وأولياء وذوو شمم وقيمٍ ومجتهدون ومتعففون ومتقشفون.

وشدّدت النكير على من ينبغي تطهير القضاء منهم ومعظمهم يمارسون مظالمهم جهارا نهاراً ، ويتلاعبون بمصائر الناس وأموالهم والكرامات وقد جاءت بهم إلى القضاء الأبواب العليا والأخلاق السّفلى.

وفي حفل إطلاق “دليل أخلاقيات القضاة” بتاريخ 15/11/2010،

وفي معهد الدروس القضائية، أهبت برئيس مجلس القضاء الأعلى أن لا يسمح للجانحين من قضاتنا أن يشتهوا مقتنى غيرهم وأن يجعل كلّ عطيّةٍ قطعةً من جهنّم في جوف من يتلقّاها،

وخلصت إلى مخاطبة هؤلاء بقولي:

“أنصفوا الناس من أنفسكم، ولا تعوقوا الحقّ بالظلم، ولا تستحلوا السّحت بالإهداء.

أمّا في ذكرى استشهاد القضاة الأربعة على قوس محكمة الجنايات في صيدا، فقد كان لي بتاريخ 7 حزيران 2010 صرخةٌ مدوّيةٌ من نار وغضب وأنفة ، قلتُ فيها:

“إن السكوت على استباحة دماء ديّاني الأرض ، هؤلاء الذين كانوا وجهاً من وجوه الله فهو وجه آخر لمقتلتهم، ووجهُ آخر لإهانة السماء.

فإلى متى الصمت ؟ وحتى متى نكتفي بإقامة صلاة الغائب ؟ ومتى نحدّد موعد محاكمة الجناة ؟ ومتى يكون تاريخ إفهام الحكم ؟ ومتى سننتصر على الخوف؟

كلّنا معاً نعلن الانطلاق من مرفأ واحد، في سفينة واحدة، وبإتجاه واحد: اتجاه تحصين القانون، واحترام الحقيقة، واللجوء إلى العدالة، والتسلّح بالآداب والعلوم.

قلتُ: في سفينة واحدة، لأنّ أي سقوط، أو غرق، أو اختراق، انّما هو طعنة لكلّ هذا الجسم القانوني. وأنا أعلم، أن ما جُرح لنا زميل، في بيروت أو في طرابلس أو في كل لبنان، ولو معنوياً، إلاّ وأصاب الوجع هذا القاضي أو ذاك، وهذا الوزير القيّم على العدالة والقانون، أو ذاك الوزير القيّم على السلامة والأمن.

فكلّنا، في الجرح والآلام إخوان… وكلنا في الهمّ واحد، ولا نميّز، وكأنّنا مع شاعر السيف والقلم، نقول:

عـذر لمـن مـات، لا عـذر لـمن سـلما،

اذا تهــدّم مجــدٌ واسـتُبيح حُــمى

ولن يتهدّم هذا المجد، ولن تُستباح كرامة محام أو قاضٍ…

7منذ فترة وفي المرحلة الحالية، يبرز دور المجتمع المدني الذي أثبت حضوره لكنه بقي قاصراً عن تحقيق التغيير المنشود . ما هي أسباب هذا التقصير؟ وبماذا تتوجهون للمجتمع المدني؟

كثر استعمال عبارة المجتمع المدني مؤخراً، وهو دخل حتى معجم العبارات “على الموضة” في التعابير الديمقراطية الحديثة، وفي البحوث المعاصرة؛ وينبغي لنا بالتالي تحديده وتمييزه عن غيره من العبارات والمفاهيم القريبة منه:

المجتمع المدني والشعب:

الشعب الذي هو “مصدر السلطات وصاحب السيادة” والذي هو عنصر من العناصر المكونة للدولة هو خليط من الأفراد والمؤسسات، والتي يدخل بعضه في مؤسسات الدولة. هو إذاً الكل الذي تطغى عليه الصفة الافرادية، في حين أن المجتمع المدني، وبفعل استعمال كلمة “المجتمع” فيه يفترض ويعني التنظيم والانضواء ضمن مؤسسات جامعة للمواطنين والأفراد.

المجتمع المدني والمجتمع الأهلي:

هذه العبارة الأخيرة هي أيضاً موضوع استعمال مفرط “وعلى الموضة” وغالباً ما تستعمل دون تمييز بينها وبين المجتمع المدني. في حين أن اطارها أوسع من إطار المجتمع المدني، لأنها تتضمن مؤسسات مجتمعية منظمة تقوم على انتماءات أولية شبه قسرية (مثلاً: العائلة، العشيرة، الطائفة) في حين أن المجتمع لا يتضمن برأينا إلا المؤسسات التي تربط بين أعضائها أنواع اختيارية طوعية من الروابط الاجتماعية (لهذه الأسباب يشار إلى هذه المؤسسات أيضاً بعبارة: “المؤسسات الطوعية”). كما أن عبارة المجتمع الأهلي تستعمل للتمييز ما بين الهيئات الوطنية والهيئات الأجنبية والدولية.

المجتمع المدني والمؤسسات الإدارية والعسكرية:

وهنا تبرز الصفة الخاصة باستعمال عبارة “المدني”، وهي قيام هذه المؤسسات وإدارتها بالإستقلال عن مؤسسات الدولة كما عرفناها؛ ذلك ما تعبّر عنه عبارات مختلفة مثل: الهيئات غير الحكومية، NGO

وبالتالي، فإن التعريف الذي نقترحه للمجتمع المدني، فهو التالي:

مجموع المؤسسات المستقلة عن مؤسسات الدولة، والتي يكون انتماء المواطنين إليها طوعياً لتحقيق غاية ما يبتغون من ورائها أو لا اقتسام الربح. وتكون بالتالي المؤسسات المكونة للمجتمع المدني، من الوجهة القانونية: الشركات والجمعيات.

ويدخل في عداد الجمعيات كما يعرّفها القانون، “أي مجموعة من المواطنين الذين يلتقون ضمن إطار مؤسساتي منظم لتوحيد مساعيهم بصورة دائمة ولغرض لا يقصد به اقتصام الربح”. وتتخذ هذه الجمعيات تسميات مختلفة بحسب موضوعها: فتسمى إما ناد، أو حزب سياسي، أو منتدى ثقافي، أو تعاونية، صندوق تعاضد، نقابة، أو ببساطة … جمعية.

فالمجتمع المدني في لبنان يكمل دور الدولة ولا يراقبها.

أدّت السياسات العثمانية والأوروبية الاستعمارية إلى إجهاض حركة مجتمع مدني بدت واعدة في القرن التاسع عشر في لبنان. والآن يبدو نشاط هذا المجتمع أسير التركيبة السياسية الطائفية، كما تتشكل أجندة منظمات العمل المدني إلى حد كبير بـ”معونة” المنظمات المدنية الدولية. والمحصلة من هذا المقال أن عمل هذه المنظمات يكاد يقتصر على سدّ ثغرات في أداء الدولة بدلاً من زيادة المحاسبة والرقابة والسهام في صناعة القرار في القطاعات المختلفة.

بذور المجتمع المدني اللبناني قد زُرِعَت في الأحداث السياسية الضخمة التي مرَّ بها لبنان في القرن التاسع عشر لكنَّ الأحداث السياسية وتدخل الدول الأوروبية والسلطنة العثمانية أجهضت هذه الحركة وأدَّت إلى إقامة نظام سياسي مبني على التمثيل الطائفي.

وقد لعبت الجمعيّات الحديثة من النمط التنموي دوراً مهماً خصوصاً على صعيد إدخال المقاربة التنموية في العمل الاجتماعي، وعملية تمكين الناس، والاهتمام بالسياسات وليس الخدمات، في حين أن الجمعيات التقليدية ساهمت في امتصاص الصدمات وتوفير الخدمات على اختلافها، وسدّت النقص في أداء القطاع العام الخدماتي خصوصاً في فترات الحرب، وهي ما تزال تقوم بهذا الدور. لكن الجمعيات الوطنية ذات الطابع التنموي ربما لا يتعدى عددها المئة جمعية أو مؤسسة، واهتمّت بالدعاية والمناصرة والسعي لتعديل القوانين من خلال حملات أو أنشطة منظمة، ولكن من الخطأ أن نُقصر اهتمامنا على نوع واحد من الجمعيات دون غيرها، وأن نغفل الدور الكبير الذي تلعبه كل الجمعيات سواء كان ذلك بتقديم الخدمات الصحية والتربوية والرعائية أو العمل على الدمج والتدريب والتمكين والإقراض والتنمية المحلية وغير ذلك.

من يراقب المجتمع المدني؟

“للأسف في لبنان قد لا تكون المراقبة دقيقة. حتى في مصر هناك ضغوط كي يمرّ التمويل عبر الحكومات، وهذا يتناقض مع فكرة المجتمع المدني في أن يكون مستقلاً عن الحكومات، وعندما يمرّ عبر الحكومات يعني أن ثمة خلل وثمة مشكلة. لذا ينبغي أن تبحث الجمعيات أو الهيئات عن مصادر تمويل محلية. هناك سياسات خارجية تتذرع بالمجتمع المدني أو بالجمعيات الثقافية والفكرية والإعلامية لتمرير سياسات محددة أو لتمرير أفكار ثقافية أو أخلاقية معينة بحيث يتم تمويل هذه الجمعيات من أجل تنفيذ سياسات معينة والتركيز على تغيير الإنتماءات. فنحن اللبنانيين مأخوذين بدور وسائل الإعلام.

في حين نحن بحاجة لمراكز أبحاث تختص بالعنف في المجتمع مثلاً.

وأحمّل المسؤولية للدولة، وبالذات لوزارتي الشؤون الاجتماعية والثقافة. ونحن لا نريد أن تُصادر الدولة مهام المجتمع المدنيّ، بل يجب أن يظل بلدنا حراً، ولكن لست مع أن نرتهن للتمويل الخارجي. ومع تحديد المجتمع المدني لأولوياته والبحث عن مصادر التمويل. الأهم هو أنه على المؤسسات الدينية أن تمّول المجتمع المدني.

دور المجتمع المدني في النظام الديمقراطي

ان النظام الذي اختاره لبنان لنفسه لإدارة شؤون الدولة هو النظام الديمقراطي، الذي يرتكز على المبدأ الوارد في الفقرة (د) من مقدمة الدستور التي تعلن أن “الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية”.

وبالرغم من القسم الأخير من هذه الفقرة التي ترسي مبدأ “الديمقراطية التمثيلية” Democratie representative ، يبقى أن التعريف العصري للديمقراطية لا يحصرها في عنصر الانتخابات العامة (التي تشكّل مصدر الشرعية الأول في تسلسل قيام المؤسسات الدستورية واستمراريتها)، ويعطي المفهوم العصري للديمقراطية دوراً مهماً فيها للمجتمع المدني، في ما بدأ العلم السياسي يدعوه “الديمقراطية الدائمة” La Democratie Continue التي تقوم على العناصر الأساسية الثلاثة التالية:

١ –     إنتخابات دورية، حرة ونزيهة

٢ –     الحريات المدنية والسياسية متوفرة ومصانة

٣ –     مؤسسات الدولة منفتحة وخاضعة للرقابة

ويتجلى دور المجتمع المدني بشكل خاص في العنصر الأخير من عناصر الديمقراطية (أي الرقابة الدائمة على مؤسسات الدولة ومساءلتها). وسوف نستعرض في ما يلي الدور الخاص الذي تضطلع به كل من مؤسسات المجتمع المدني المختلفة: الشركات والجمعيات.

دور الشركات:

من البديهي التذكير بالدور الكبير الذي تلعبه الشركات ضمن نظام إقتصادي حر في عملية التنمية الاقتصادية في مختلف قطاعاتها (التجارية والصناعية والمالية والزراعية والتربوية والصحية). ويكفي لنا لأن نقدر أهمية هذا القطاع من المجتمع المدني في عملية التنمية، أن نتذكر بأنه في بعض الأنظمة الشيوعية أو الاشتراكية، لا تدخل المؤسسات التي تتعاطى الشأن الاقتصادي والتجاري ضمن المجتمع المدني، بل تشكل جزءاً لا يتجزأ من مؤسسات الدولة.

لكن الشركات لا تكتفي بأن تلعب دوراً في المجال الاقتصادي، بل تلعب أيضاً دوراً هاماً في المجال السياسي والديمقراطي عبر المؤسسات الاعلامية، التي هي من الشركات. بالواقع، إن الاعلام المطبوع أو المرأي والمسموع – هذه السلطة الرابعة عن حق وجدارة – خير من يجري الرقابة على مؤسسات الدولة عبر التحقيقات التي تجريها وتكشفها مباشرة إلى المواطنين، فتساهم مساهمة فعالة في تكوين “الرأي العام”؛ وغالباً ما تكون المساءلة الاعلامية أكثر فعالية من المساءلة السياسية تحت قبة مجلس النواب. هذا بالإضافة إلى وسيلة فعالة من وسائل تدخل وسائل الإعلام، هي وسيلة استطلاع الرأي، التي تكون رأي عام بقدر ما تبلوره أو توضحه. وبالتالي، تكون السلطة الرابعة المزاحمة الأولى للسلطة الأولى في تمثيلها للرأي العام والشعب، وإجرائها مراقبة ومساءلة جميع السلطات، بما فيها السلطة التشريعية نفسها.

دور الجمعيات:

تكمن أهمية الجمعيات بالنسبة إلى التنمية المجتمعية وبالنسبة للتنمية الديمقراطية الدائمة، في أنها تلعب دوراً أساسياً في كل من الميادين التالية:

1 –    الجمعيات هي إطار تتم من خلاله تنمية اهتمام المواطن بالشأن العام، وهي تفعّل طاقة أفرادها وتهذبها وتوجهها وتؤمّن لها الديمومة المؤسساتية؛ ومن البديهي القول بأن عمل الجماعة يكون، في أكثر الأحيان، أكثر فعالية من تحرك الأفراد المستقلين.

2 –    الجمعيات هي عماد من أعمدة التطور والنمو الاجتماعي. فخدمات ونشاطات الجمعيات (خاصة تلك التي تعنى بالعمل الاجتماعي)، تستجيب بسرعة أكبر وبفعالية أكثر لحاجات المواطنين المتعددة.

3 –    الجمعيات هي من المؤسسات التي تعزز الديمقراطية وثقافتها وتقوي مناعة المجتمع المدني:

4-     إن بالنسبة لأعضائها ولمؤسساتها الخاصة، التي يفترض بها أن تعمل وفق نظام ديمقراطي، ينظم حق الأكثرية في اتخاذ القرارات وحق الأقلية لأن تستمع الأكثرية لرأيها، مع المحافظة على حقوق الغائبين.

5-      أو بالنسبة للمؤسسات العامة، وذلك تبعاً للمبدأ القائل بأن لا ديمقراطية دون اضطلاع الشعب بمسؤولياته في مراقبة عمل المؤسسات الدستورية والإدارة العامة، وذلك للحد من تجاوزتها ومطالبتها بالحقوق وبضمان الحريات والأداء الديمقراطي السليم؛ وهذا الدور هو الذي تضطلع به بشكل خاص الأحزاب والجمعيات ذات الأهداف أو الطابع السياسي. وقد عبّر عن ذلك الدور الهام ببلاغة العلامة الفرنسي “أليكسي دو توكفيل” حين كتب ما يلي:

“ليس من بلد تكون فيه الجمعيات من الضرورات لمنع تسلط الأحزاب أو تفرد الملك أكثر من البلدان التي يكون نظامها ديمقراطياً … وفي البلدان حيث لا وجود لمثل هذه الجمعيات … لا تبقى بعد أية حدود لأي نوع من أنواع الطغيان، ويمكن حينها أن يقمع شعب عظيم دون عقاب من قبل حفنة من الوصوليين أو من قبل رجل واحد.”

الصفات التي ينبغي أن تتسم بها علاقة المجتمع المدني بالدولة: الإستقلالية والحرية ـ التعاون والشفافية

الاستقلالية والحرية في التأسيس والادارة:

–      بالنسبة للشركات:

إن مسالة حرية الشركات في تأسيسها وإدارتها مصانة إلى حدود واسعة في القانون وفي الممارسة في لبنان، في ظل أحكام دستورية تعلن أن “النظام الاقتصادي يكفل المبادرة الفردية والملكية الخاصة”. هذا بالنسبة للشركات التي تتعاطى الأعمال التجارية والمالية والصناعية والزراعية. لكن الشركات التي تعمل في مجال الاعلام (إن الاعلام المطبوع أو المرئي والمسموع) فهي خاضعة لقيود في تأسيسها وإدارتها وفي قيامها بنشاطاتها. وهذه المسألة على أهميتها، لن تكون موضوع بحثنا، الذي سيركز بشكل أساسي على الجمعيات.

–      بالنسبة للجمعيات:

لا يمكن للجمعيات أن تكون فعالة إلا إذا توفرت لها أجواء من الحرية، إن في إطار تأسيسها أو في إطار إدارتها. هنا تكمن أهمية توفر “حرية الجمعيات، التي اعتبرها Alexis de Tockeville “أمّ لسائر  الحريات الاخرى”. وقد كان توفرها في لبنان من الأسباب الرئيسية التي ساعدت في وجود مجتمع مدني فيه بمستوى الديناميكية التي عرفت عنه، خاصة وأن مبدأ حرية الجمعيات من الحريات الأساسية التي يرعاها الدستور وعدد من المعاهدات التي أبرمها لبنان، بالإضافة إلى قوانين جيدة، أبرزها قانون الجمعيات الصادر سنة ١٩٠٩ . والمبدأ القانوني الأساسي الذي ترتكز عليه حرية الجمعيات، هو التأسيس دون الحاجة إلى ترخيص بمجرد إعطاء العلم والخبر.

لا يعني ذلك، كما يخشى البعض، أن تدب الفوضى وتبقى الجمعيات دون قيد أو رقيب. بطبيعة الحال، وكغيره من القطاعات، يمكن، لا بل يستحسن، وضع أُطر تنظيمية لقطاع الجمعيات، لكن هذا التنظيم ينبغي أن ينحصر ضمن إطار القيود الممكن وضعها في مؤسسة ترعاها حرية أساسية من المصاف الدستوري، هي تلك التي حددتها الفقرة ٢ من المادة ٢٢ من “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” التي نصت على أنه “لا يجوز تقييد استعمال [حرية الجمعيات] بأية قيود غير التي يقررها القانون وتقتضيها الضرورة في مجتمع ديمقراطي لصيانة الأمن القومي والسلامة العامة والنظام العام أو لحماية الصحة العامة أو الآداب العامة أو لحماية حقوق الغير وحرياتهم”.

أما وقد استعرضنا المبدأ القانوني، فسوف نجري في ما يلي تقييماً لمدى توافق القانون اللبناني والممارسة على هذا المبدأ يمكن أن تصنف الجمعيات في لبنان ضمن البعد القانوني، وفق النظام الخاص الذي يرعاها:

١-      فالأولى ترعاها قوانين خاصة بها، وهي: نقابات المهن الحرة (مثلاً: نقابة المحامين، الأطباء، المهندسين … إلخ)، وبعض صناديق التعاضد.

٢ –    الثانية ترعاها قوانين عامة تنص على نظام الترخيص المسبق المخالف لمبدأ حرية الجمعيات؛ وهذه الجمعيات هي بشكل خاص: جمعيات الشباب والرياضة، النقابات المهنية والعمالية، صناديق التعاضد، التعاونيات، الجمعيات الأجنبية.

٣ –     الثالثة، وهي سائر الجمعيات الأخرى، بما فيها الأحزاب السياسية، التي يرعاها قانون الجمعيات الصادر سنة ١٩٠٩ وهو إلى حد كبير يتوافق مع مبدأ حرية الجمعيات، لكن المشكلة الكبيرة تكمن في المخالفات في تطبيقه.

بالنسبة لحرية إدارة الجمعيات ضمن إطار القوانين العامة ونظاميها الأساسي والداخلي، فالجمعية حرة في قبول عضوية من تراه مناسباً إلى الجمعية، وحرة في انتخاب من تشاء إلى هيئاتها المختلفة، وحرة في تعديل أنظمتها كما تشاء، وحرة في تأسيس فروع لها. وجل ما يفرضه القانون عليها هو مسك ثلاثة دفاتر بحسب الأصول (الأول للعضوية والثاني لمحاضر الهيئة الإدارية والثالث تدوَّن فيه المحاسبة)، وإعلام الحكومة عن أي تعديل يطرأ على هيئتها الإدارية أو نظامها الأساسي أو مقامها، وذلك باتّباع نفس أصول العلم والخبر النافذة للتأسيس، وإعلام وزارة الداخلية سنوياً عن أسماء الأعضاء وإبلاغها صورة عن حسابها القطعي وعن موازنتها (دون أن يكون من نتيجة لعدم تقديمها إلا غرامة مالية).

لكن الممارسة اليومية للإدارة، وبخاصة وزارة الداخلية، هي قصة انتهاك يومي مؤسف لمبادئ حرية الجمعيات المنصوص عليها في القانون، بحيث تحول التأسيس الحر إلى شبه ترخيص، فيه تقييد غير مقبول لهذه الحرية الأساسية.

إضافة إلى ذلك، فإن وعي المواطنين والمجتمع كان وما يزال ضعيفاً جداً. فإن المواطنين قد سهلوا استمرار المخالفات القانونية سواء عن جهل أو لانعدام أية نية أو جرأة في مقاومة الخطأ.

من أمثلة المخالفات القانونية:

حُصرت الممارسة تأسيس الجمعيات بوزارة الداخلية دون سواها، في حين أن القانون ينص على تسليم بيان “العلم والخبر” إلى وزارة الداخلية إذا كان مركز الجمعية في بيروت، وإلى المحافظة إذا كان مركز الجمعية خارج بيروت.

– تتدخل الإدارة في صياغة أنظمة الجمعيات دون أي حق (مثلاً تفرض إدخال مواد أو تعديل الإسم أو الموضوع).

– لا تقبل الوزارة استلام الأوراق المتعلقة بتأسيس بعض الجمعيات جمعيات التي تصف بعضها بالسياسية (مثلاً، “جمعية حقوق إنسان”، “الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات”)؛ والبدعة الأخيرة هي قرار صادر عن مجلس الوزراء (لم ينشر) يمنع تأسيس الجمعيات السياسية والأحزاب إلا بقرار من مجلس الوزراء.

– تحول وزارة الداخلية بيانات العلم والخبر، التي تطلق وزارة الداخلية عليها اسم “الطلب” وقبل تسليم إيصال العلم والخبر إلى “التحقيق” لدى أجهزة أمنية وإدارية مختلفة، ويستدعى المؤسسون بعدها لشبه استجواب.

– ترفض الإدارة تأسيس جمعيات معينة، دون أن تبدي أسباباً مرتكزة إلى أسس قانونية.

– تتدخل الحكومة أو وزارة الداخلية في إدارة عدد من الجمعيات بأشكال مختلفة من إلزام حضور مندوب عن وزارة الداخلية لاجتماعات الجمعيات العمومية، واشتراط موافقة الوزارة قبل نفاذ التعديلات المجراة على الأنظمة (بلاغ وزارة الداخلية رقم ١٧/٤/د تاريخ ١٦/١/١٩٩٦)، إلى التدخل في تعيين هيئات إدارية (حالة الصليب الأحمر اللبناني، بالقرار رقم ١٨٨١ تاريخ ٧/١١/١٩٩١)، وصولاً إلى حل الجمعيات بتعبير “سحب العلم والخبر” (١٣٨ جمعية جرى حلها بموجب المرسوم رقم ٢٢٣١ تاريخ ١٥/٢/١٩٩٢).

ومن البديهي المسارعة إلى التأكيد أيضاً بأن عمل الجمعيات ليس كله سليماً، وتشوبه الأخطاء والتجاوزات والمخالفات، إن بالنسبة للقوانين العامة أو بالنسبة لأنظمة الجمعية الخاصة. لكن ذلك لا يمكن أن يبرر مخالفة القانون أو مبدأ حرية الجمعيات من قبل الإدارة العامة، ويستدعي تفعيل وسائل المراقبة عليها.

إقتراحات عملية لتطوير الجمعيات

في البعد التنظيمي والقانوني:

١ – التشبث بالمبادئ التي تضمنها قانون الجمعيات الصادر سنة ١٩٠٩، والكف عن الدعوات لاستبداله بقانون جديد “عصري”، يخشى منه أن يكرس أخطاء ومخالفات الممارسة وليس العكس.

٢ – تعديل الأحكام المتعلقة بالجمعيات التي تنطبق عليها قوانين خاصة (غير قانون ١٩٠٩) مثل النقابات والتعاونيات، لجهة تكريس مبدأ حرية التأسيس والإدارة فيها.

٣ – العمل على تصويب التطبيق السيئ والمخالف للقانون المتبع من قبل وزارة الداخلية، وإنشاء سجل خاص بالجمعيات (على طراز السجل التجاري) يقوم بمهامه باستقلالية تامة بإشراف قاض.

٤ – العمل على تثقيف الجمعيات والمسؤولين فيها، والمواطنين بشكل عام والإدارات العامة والسياسيين بشكل خاص، وإطلاعهم على الحقوق والواجبات المتعلقة بقانون الجمعيات، وذلك من أجل تشكيل قوة ضاغطة تمكّن من تحقيق الأهداف الثلاث الأولى.

٥ – تفعيل الرقابة المشروعة والمفيدة على الجمعيات، من أجل تصويب أي انحراف أو اعوجاج في الممارسة، وذلك بواسطة الأجهزة العادية القائمة (الأجهزة الإدارية في المحافظات ووزارة الداخلية، والمحاكم) وغيرها من الأجهزة الخاصة التي نقترح استحداثها (مثلاً، هيئة مختلطة تضم ممثلين عن الإدارة العامة وعن الجمعيات تلتقي في مجلس مستقل، له صلاحية المراقبة والإحالة إلى القضاء).

٦ – إدخال بعض التعديلات على قانون الجمعيات اللازمة لتحسين تطبيقه وتفعيل عمل الجمعيات: (مثلاً من أجل تخفيض سن الانتساب إلى الجمعيات من ٢٠ إلى ١٨). كما أنه في مطلق الأحوال، يجب إشراك ممثلين عن كافة قطاعات الجمعيات في أي عمل يؤدي إلى تعديل في قانون الجمعيات.

البعد العملي: تطوير فاعلية أهداف ونشاطات الجمعيات

ويطرح هذا البعد مجموعة المسائل التالية:

أ –     مسألة عدد الجمعيات:

يمكن تصنيف الجمعيات (الخاضعة لقانون ١٩٠٩) بحسب مواضيعها والنشاطات التي تقوم بها. فمنها الجمعيات: السياسية، والثقافية، الحريات العامة وحقوق الإنسان، التربوية، العلمية، الفنية، البيئية، الشؤون الاجتماعية، العائلية، الدينية، جمعيات الدفاع عن مصالح معينة … الخ

ب –  مسألة تنسيق عمل الجمعيات:

ج –   مسألة النطاق الجغرافي لنشاط الجمعيات:

د –    مسألة الارتباط الطائفي للجمعيات:

(إن بالنسبة للعضوية أو لمصادر التمويل أو بالنسبة للتحكم الإداري بالقرارات)

إقتراحات عملية:

١ –    اجراء مسح شامل للجمعيات العاملة في لبنان وإصدار دليل بها مبوّباً وفق أنواع النشاطات، يتضمن معلومات مفيدة عنها مثل أهدافها، وبرامجها، ونطاق عملها الجغرافي وعناوينها والمسؤولين عن إدارتها.

٢ –    عدم الحد من عدد الجمعيات المؤسسة، أيا كان تكوينها الطائفي أو مدى عملها الجغرافي؛ والسعي بشتى الوسائل لحثها على التعاون والتنسيق في النشاطات، على أمل أن تحصل عمليات اندماج نتيجة لذلك، واختيارياً من قبل هيئات الجمعيات.

البعد التنظيمي والإداري:

ويطرح هذا البعد مجموعة المسائل التالية:

أ –     نسبة اتكال الجمعية على المتطوعين:

ب –   مدى تنظيم الجمعية الإداري وحجم جهازها البشري:

ج –   كيفية تمويل مشاريعها:

كما يرتبط بذلك مصادر تمويلها، ومدى اتكالها في المشاريع على مصادرها الذاتية أو على الهبات والأموال المرصودة من مؤسسات وطنية أو دولية أو أجنبية.

د –    مدى ديمقراطية عمل الجمعية وإدارتها الداخلية:

يتعلق بمدى تطور ثقافة العمل المشترك في الجمعية وإمكانية اتخاذ القرارات مع الحد من النزاعات، مدى ديمقراطية عملها وإدارتها ضمن هيئتيها العامة والإدارية؛

إقتراحات عملية لتفعيل المجتمع المدني:

١ – تنظيم حلقات تدريبية عملية، تتعلق بالمهارات الإدارية المختلفة بما فيها المحاسبة وصياغة المحاضر، وتحضير وتمويل وتنفيذ البرامج.

٢ – إدخال أحكام إضافية إلى قانون الضرائب والرسوم يشجع الهبات الممنوحة إلى الجمعيات.

٣ – وضع مشروع لأنظمة أساسية وأنظمة داخلية متطورة، وغيرها من المستندات التنظيمية التي تساعد على إدارة الجمعيات، آخذة بعين الاعتبار الخبرة المتراكمة.

٤ – وضع نظام داخلي أُنموذجي ليرعى أصول انعقاد الجلسات، يكون إدراجه ضمن أنظمة الجمعيات اختيارياً.

٥ – تنظيم حلقات تدريبية عملية، تتعلق بإدارة الجلسات وفق النظام المقترح، بالإضافة إلى مهارات أخرى تتعلق بتقنيات الاتصال وحل النزاعات وآداب الحوار.

أما في رسالتي الأخيرة للمجتمع المدني ، أقول:

لو حدثت الأعجوبة، ووقف اليوم، بيننا ، شارل مالك،

تراه ماذا كان ليقول؟

شارل مالك، اللبناني الكبير، الفيلسوف المفكر، الذي شارك في وضع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، والذي غادر هذا العالم سنة 1987، تراه، بماذا يخاطبنا ، اليوم؟

بغضب أم بمحبّة ؟ بإعجاب أم بمرارة؟ بحزن أم بفرح؟

أستعيد كلمات شارل مالك، حيث يقول :

” الحرية مسؤولة أمام نفسها، مسؤولة أمام التاريخ، مسؤولة أمام الله.

الحرية تردع نفسها عن الكذب والتزوير والظلم،

الحرية ترتع في المحبّة وتترفّع عن البغضاء،

الحرية تطبع لبنان بطابعه المميّز، وبدونها لا يوجد لبنان”.

هذه الكلمات، إعلان لحقوق الإنسان في لبنان ، فهل نسمع؟

فتحيّة لشارل مالك، وتحية وإجلالاً إلى نقابة المحامين، النقابة التي رصدت نفسها للحق والحقيقة، دفاعاً عن حقوق الإنسان، في ذلك عبء ثقيل، لن يزيدنا ثقله إلاّ اصراراً على الإيمان بهذه الحقوق.

وإنَّ من يقولُ “دستور” ، يقول “دولة”. والحريات العامة والحقوق الطبيعية للفرد والمجتمع كأساس جديد للشرعية وللديمقراطية هي علة وجود الدساتير والشرعات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان .

أمّا غايةُ نشاط الدولة فهي حمايةُ “إنسانية الإنسان” من مزاجية الحاكم وإرغام هذا الأخير على احترام هذه الحقوق من خلال قواعد معلنة سلفاً ومكرَّسة بتاريخ سابق لتبوئه زمام السلطة.

إذا أردنا دستوراً، أي دولة، يعني أننا نريد أيضاً تطويرَ النظام القائم وتوفير استقرار الأوضاع الدستورية والقانونية  ووضع نظام أمان لحماية حقوق الإنسان المكرّسة دستوراً وقانوناً دولياً.

لقد أولى الدستورُ اللبناني حقوقَ الإنسان بمجملها عناية وافية في مقدمة الدستور التي تُعتبر جزءاً لا يتجزأ منه ، كما  في نصوص أخرى صريحةً وملزمة بهدف تكريسها وحمايتها، ممّا جعلَ لبنانَ في طليعة الدول التي أنزلَت في دستورها، مقدمةً ونصوصاً، مبادئَ أساسيةً عليا وشرائعَ إنسانية، جاعلاً إيّاها في منزلة الدستور.

إنَّ مبادئ حقوق الإنسان، إذن، طبيعية، ومكتسبة، ومرتبطة بنصوص محليّة ودولية ومنبثقة، تالياً، عن الشرعيَّتين المحلية والدولية . والدستور هو أسمى قوانين الدولة . إن الدولة مقيّدة بالتزاماتها الدستورية والدولية ومعنيّة تالياً بالسَّهَر على احترام حقوق الإنسان وحمايتها.

إن السلطة المناط بها تنفيذ القانون لا تملك حق مخالفة الأحكام الدستورية أو المبادئ الأساسية ذات القيمة الدستورية. إن سلطة الإدارة الاستنسابية تتلاشى تماماً في مجال الحقوق والحريات العامة (صلاحية مقيَّدة) وتختفي عندما تجد السلطة نفسها في هذا الميدان في مواجهة حالة من حالات تنازع القوانين (Conflit des lois).

إن السلطة ملزمة بحفظ  النظام العام، ولكنها ملزمة في نفس الوقت بحماية حقوق الإنسان. ولايسعها أن تضحّي باحترام هذه الحقوق في غياب تدخل استثنائي للسلطة التشريعية التي يعود إليها وحدها مراعاة تطبيق أحكام الدستور تحت رقابة المجلس الدستوري.

إنَّ تقييم أداء الدولة يُقاس أساساً بمدى احترامها لحقوق الإنسان، بيدَ أنَّ الانتهاكات كثيرةٌ يصعُب إحصاؤها، على الرُّغم من تكريسها دستوراً وقانوناً دولياً، ولا سيما منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ولا يسعني إلا أن أستعرض، فيما يلي، بعضَ أوجُه ومظاهِر الانتهاكات الذي تَتَهدَّدُ نظامَ حقوق الإنسان في لبنان:

– هل أنَّ مُقدمة الدستور والمواد الدستورية سالفةُ الذكر تطبّقُ وفقاً للأصول والمعايير الدولية والديمقراطية إنفاذاً للشَرعة العالمية لحقوق الإنسان وللشَرعات والاتفاقيات الدولية ذات الصلة التي وقَّعها لبنان أو إنضمَّ إليها ؟

وهل أقرَّت في نظامنا القانوني الداخلي نصوصٌ قانونية تطبيقية لهذه الأصول والمعايير الدولية تهدف إلى حماية هذه القيم والمبادئ الليبرالية والإنسانية ؟

– لماذا التأخير غير المبرَّر في المحاكمات وفي إصدار الأحكام النهائية؟ إيصالاً لصاحب الحق لحقه قبل أن ينالَ منه المُطلُ الطويلُ ما لم ينل منه جَورُ خصمه.

– لماذا غياب الاستقلالية والتجرُّد لدى بعض القضاء، وسقوط البعض الآخر تحت مظلَّة الوصاية السياسية لاعتبارات شخصية ما يعيقُ النطقَ بالعدالة الناجزة ؟

– لماذا العجز أحياناً لدى الضابطة العدلية في إلقاء القبض على المتهمين، الأمر الذي يُشجّعُ على استشراء الجريمة وتفشيّها؟

– هل أنَّ تقنيّات التحقيق تحترم المعايير والأصول الدولية؟ وهل ما يزال انتزاع الإقرار والمعلومات يتمُّ تحت وطأة انتهاك حقوق الإنسان؟

– هل أنَّ الدولة تتولى توعية المواطنين إلى حقوقهم بصورة أوَّلية ومسبقة، وتأهيل العاملين العموميين على عدم انتهاك حقوق مواطنيها، وهل تفتح عادةً تحقيقاً فعلياً، عَبر أجهزتها المختصة، بشأن كلّ عمل مادي أو فكري أو مَعنوي أو نفسي ينطوي على انتهاك لحقوق الإنسان يجري على أراضيها ؟

– ما هو حجم وفعالية مهام الرقابة والأمن على أماكن التوقيف ؟ وهل تتمُّ حمايةَ الموقوفين في السجون ضدَّ أيّ معاملة غير إنسانية ؟ وأين إشراف القضاء المختص على هذه الأماكن ؟

– وهل تتم إعادة التأهيل  وإعطاء الضمانات الأساسية وتأمين المساعدة النفسية والصحية والراحة الجسدية والكرامة الإنسانية واحترام الحياة الشخصية للمساجين على غرار البلدان الديمقراطية المتقدمّة ، والتي يجب أنْ يحظى بها كل إنسان حُرِمَ من حريته وحقوقه الفردية دون استثناء أو تمييز؟

– وما هو مصير ملف تحسين أوضاع السجون وتحويلها إلى إصلاحيات؟

لماذا تتغاضى الإدارة عن تنفيذ أحكام قضائية مُبرمة صادرة ضدها لمصلحة أفراد؟

– لماذا الاضطهاد المُوجّه ضدّ المرأة لا يزال طيَّ النسيان، وهذا الملف يُعتبر بذاته انتهاكاً لحقوق الإنسان ومن أعمال التعذيب ضد المرأة ؟

إنَّ هذه الوقائع الملموسة لغيضٌ من فيض وتنمُّ عن مزاجيّة السلطة. وهذه الانتهاكات تعني أيضاً الانحراف وتعميم القهر والفوضى وتوليد مظالم اجتماعية وخلقية واقتصادية ومالية، وتقيم الدليل على أن الدولة تعاني من نقص في تطبيق معايير دولية أكثر عدالة وموضوعية وحمايتها في مقابل واجب المواطن الاحترام الكامل لسيادة الدولة وحرية الغير. من هنا ، وبقدر ما  تكونُ السلطةُ التنفيذية أداةً لتنفيذ المصلحة العامة ولحماية الحريات العامة والحقوق الفردية ، وبقدر ذلك فقط ، تستحقُّ لقب “سلطة عامة” وتحظى تالياً بدعم أبنائها .

أين مواصلة المطالبة بالإفراج عن الأسرى اللبنانيين في إسرائيل وعلى متابعة قضية المفقودين والمعتقلين اللبنانيين؟ نأمل حسن متابعة الحكومة لهذين الموضوعين الجوهريين.

في ميدان حقوق الإنسان تتمتّع المحاكم بصلاحية رقابية كاملة وشاملة تبلغُ حدَّها الأقصى لتَعَلُّقها بحماية حقوق الإنسان وباعتبارها تشكّل مسألة كَفِلها الدستور .

في هذا الإطار لا بدَّ من أن نشير الى أن مجلس شورى الدولة في قراره الشهير في دعوى “مادلين إده” (الهيئة الحاكمة: الرئيس غالب غانم والمستشارتان كارمن عطالله بدوي (مقرر) وريتا كرم القزي) كان سبّاقاً في تحقيق قفزة نوعية في مجال حقوق الإنسان، حيث قضى بأن إنتهاك حرية الجمعيات يُعتبر عملاً منعدم الوجود وكأنه لم يكن، ومجرَّداً من أي صفة دستورية أو قيمة قانونية ، لاستحالة إسناده إلى أي حكم من أحكام القانون .

 – إن لنقابة المحامين دوراً مستقلاً ورائداً في مَيدان حقوق الإنسان . إنها الضمانة الأساسية للقضايا العادلة ومعنيَّة بشكل أساس في الدفاع عن حقوق الإنسان، ولهذه النقابة الدّورَ المكمّل في وضع حدّ للانتهاكات وفي حماية الحريات والحقوق وتحقيق العدالة الإنسانية.

– إن نقابة المحامين في بيروت تزمع عدم الاكتفاء فقط بإشهار حقوق الإنسان وتكريسها في نصوص دستورية، وترى من الأفضل عدمَ التغاضي عن أي انتهاك لها، بلْ بالأحرى مواجهته، مع السعي إلى إعادة التأكيد على هذه الحقوق وترسيخ المعايير والأصول الدولية بشأنها، والعمل على وضع نظام قانوني تطبيقي جديد يرعى حماية حقوق الإنسان ويتضمَّن سبل حماية واحترام القيم والمبادئ الليبرالية المكرَّسة والمكتسبة، وأصول الالتزام التام والكامل بها،

فضلاً عن نظام حقيقي للتعويض على ضحايا الانتهاكات، فضلاً عن السعي إلى فتح باب الدستور على مصراعيه أمام مبادئ جديدة تكرَّس في نصوصه، علماً أن تاريخ الدساتير غنيٌّ بالأمثلة على استيعاب حريات جديدة لم تكن ملحوظة في السابق.

– إن نقابة المحامين والسلطة القضائية مدعوّان، جنباً الى جنب،

* للعب دور فاعل في حماية حقوق الإنسان وتحقيق العدالة الإنسانية.

*ولوضع إستراتيجية مشتركة تضمن فعلاً حماية حقوق الإنسان، في إطار من التعاون الجدّي والهادئ، وتُرسي تطوّراً جُذرياً في اجتهاد القضاء عبر تمكينه من مواكبة القانون الدولي والخطاب الدولي ذات الصّلة، ومن ممارسة صلاحياته الرقابية الشاملة والمطلقة في مجال حقوق الإنسان، علَّها تُسهم في قَفْزات نوعية على هذا الصعيد على نحو ما ذهب إليه اجتهاد مجلس شورى الدولة في لبنان . على أنَّ هاجسَ نقابة المحامين في بيروت سيبقى العمل على تجسيد حماية حقيقية وفعلية لحقوق الإنسان، وعلى تجريد سيف الحق وتعميم العدالة  في دولة ، القوة فيها لحق لا يَنال شرفَ النطقِ به إلّا نُخَبٌ من القضاة .

إن الحرية هي الأساس في ولادة الكيان اللبناني ويجب أن تظل وديعة في أيدينا لصونها من الأخطار التي تعيق بها من كلّ صوب. لا مؤامرة على الحرّية أكبر من فصلها عن قيم الحق والفضيلة.

8كيف ترون لبنان في المستقبل القريب؟

” لبنان المرتجى “

ما تُراها تريد نقيبةُ محامين وقد تحدَّرَ إليها شغفُ الشرائع من ميراث عائلي ثري وإرثٍ وطني طموح؟ عشقتُ القوانين وأسماها القوانينُ الطبيعيّة اللصيقة بالطبيعة البشرية قبلَ أن تنهض شرائعُ حقوق الإنسان والمواطن والقوانين الوضعية التي حدَّدت حقوق الفرد وموجباته.

هو الإنسانُ همّي، والحريّات شغلي الشاغل، وكرامةُ الإنسان ديني، ووحدةُ البشر مبتغاي. الكائن البشري يسمو على كلّ المؤسسات الوطنية والدولية، فلا دينَ يطغى عليه، ولا مذهبَ يستعبده، ولا عقيدةَ تحطّ منه، ولا جنسَ يتقدّمه، ولا لغةَ تأسره، ولا لونَ يميّزه، ولا ثقافةَ تقولبه، ولا نظامَ يشيِّئه، ولا آلةَ تسحقه.

قيل إن لبنان هو وطن الإنسان، هو جنَّة الحريّات، هو فردوس الأفكار، هو ملتقى الفلسفات والحضارات والديانات، أمّا أنا فأقول إن ما قيل ليس صحيحاً.

إذا كَشَفْنا الغطاء ونَفَذْنا إلى القعر، وسَبَرْنا الغور، أدهشَنا الواقع: فطوائفنا منغلقة على ذاتها، وعقائدنا متحجّرة تأبى الحوار وتحتكر الحقيقة وتحتقر جوهر الإنسان، وأدياننا تتنابذ فلا سبيل لتواصل أو تلاقٍ، وأحزابنا كلّيّة ولو احتجبت وراء مساحيق وتوكّأت على شعارات ديمقراطية. ولن يكون لي ما أريد حتى أرى الإنسان يسود، والطائفية تزول، والأحزاب تتحدّث، والدكاكين تتلاشى، والدولة ترعى.

لن يكون لبنان وطناً ما بقيت مناطقه مغلقة، وقوانينه تجعل الشعب أجناساً وعصبةَ أمم، ومحاكمه المزاجية بعدد الطوائف، وتشريعاته الروحية والمذهبية والشرعية تحظِّر التزاوج بين أبنائه وبناته عند اختلاف طوائفهم، وتمنع التوارث، وتجعل التساكن متعذِّراً ومصدر حذر، وما ظلّت تربيته أشكالاً، ومناهجه ألواناً، وبرامجه فئوية، ومدارسه وجامعاته وقفاً على مواطنين تتوزعهم طبقيةٌ بغيضة ومذهبية مدمّرة.

إنْ لم يتدارك أولو الأمر، على اختلاف موقعهم، ما يهدّد موطن الأرز، فسنشهد وطننا العنكبوتي يسقط سقوطاً عظيماً.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *