مقابلات

“أخبار وحوار” أجرت مقابلة مع الدكتور أنطوان سيف

لأنطلياس حضور في تاريخ لبنان الحديث. على خلفية عامية أنطلياس التي طبعت أوانها بطابع متقدّم وأصبحت مرجعاً لاجتماع الطوائف والمذاهب اللبنانية في القرارات المصيرية، تكمل المسيرة اليوم الحركة الثقافية في أنطلياس بروحية ثقافية متقدمة وفريدة تشكل تظاهرة سنوية منتظرة ومرغوبة. يقول أمينه العام الدكتور أنطوان سيف أن “العلوم ليست من الأسرار المغلقة على قوم دون قوم. إنها مشاع لكل متفوِّق مفتوح أمام الأفراد والجماعات (المجتمعات والدول) والجامعات في العالم لا تضع شروطاً للدخول والتخصص فيها غير الشروط الأكاديمية التي تنطبق على كل طلاب العلم من كل البلدان”. كما يقول في توصيفه للمجتمع المدني: “إنَّ هيئات المجتمع المدني يجب أن تكون دوماً في منافسة، لا في عداء، مع مؤسسات الدولة، وفي التكامُل معها، لا بل في عملٍ منافس يهدف أيضاً إلى تحسين أدائها. وهذا يقتضي من الذين يتطوَّعون للعمل المدني بأن يبقى واضحاً في ذهنهم الفرقُ بين عمل مؤسسات الدولة، وبين قرارات أهل السلطة السياسية. المعارضة لا تكون إطلاقاً للأَولى تحت كل الظروف، وإلّا نكون كمن يدعو إلى الأنارشية أي إلغاء الدولة”.                                                                          

1-  الدكتور أنطوان سيف إسم بغنى عن التعريف، لكن باقتضاب كيف تعرِّفون عن نفسكم؟

بدايةً، التعريف ليس ادّعاء معرفة دقيقة نستخلصها ممّا نقوم به ونعيشه ونفكّر فيه وننفعل به. إشارةً إلى قول لنيتشه بأنَّ الانسان هو الكائن الأقرب إلى نفسه والأبعد عنها، أو منها. باختصار إنَّ ما أقوم به في حياتي العامة يندرج ضمن مجالَين أساسيين: أنا أكاديميّ: أستاذٌ جامعي وباحثٌ في الفلسفة والعلوم الإنسانية، وأنا ناشطٌ اجتماعيّ متطوّع في المجال الثقافي أو التثقيف الاجتماعي، وما يستتبعهما، بالنسبة لي، من تطلُّعات وواجبات ومسؤوليات… المجال الأول في الجامعة اللبنانية، والآخر في “الحركة الثقافية – انطلياس”.

 

2- أمين عام ثم أمين الإعلام للحركة الثقافية في أنطلياس. هل الدور الذي تلعبه هذه الحركة يفي بغرض إنشائها؟

تحتفظ المؤسساتُ ببصمة تاريخها: نشأتها ومسارها. والحركة الثقافية – انطلياس لها هوّية يمكن أن نراها في ميثاقها الأساسي، أو التأسيسي، عام 1978 وفيه الغاية من وراء إنشائها، وأبرزها حينذاك رفضُ الحرب الدائرة والعملُ من أجل السلام الداخلي، والتمسُّك بوحدة الجمهورية اللبنانية أرضاً وشعباً ودولةً سيّدةَ مستقلة ديمقراطية، والانفتاح على المحيط العربي وعلى العالم، وتجاوُز النظام الطائفي بالوسائل السلمية إلى نظام علماني، هذه الغايات نقوم بالتعبير عنها بالحوار الثقافي الحرّ المبدع بين الأفراد والجماعات المختلفة… ولئن كانت حركتنا بنتَ الحرب فهي علناً وبشجاعة تامّة: ضد الحرب. لقد نالت الحركة صيتاً وطنياً حسناً في كل لبنان، وكانت مكان لقاء وطني عام من مختلف الانتماءات والاتجاهات. لا أتوقف هنا عند تفاصيل الأنشطة الثقافية بأبعادها الوطنية والتي تعدّت بكثيرٍ منها حيّز انطلياس، في بلد ممزّق بالحواجز العسكرية المتناحرة، والحواجز النفسية، التي جعلْنا تخطّيها مسلكاً لنا مع كل المخاطر المترتّبة، وهو سلوك نادر جداً في تلك الظروف السوداء. لا أعرف بالضبط مردود هذا التحدّي على المستوى الوطني العام؟ ولكن أفترضُ أنَّ ما قمنا به كان مميَّزاً ولافتاً، وبالتالي لا بدّ لمثابرته الجهيدة من أن تترك أثراً ما، إيجابياً، في المناخ العام الحربيّ السائد والمنهَك بعد تراكُم سنواتٍ عدّة قاسية.

 

3- بعد أكثر من 41 مهرجان للكتاب، كيف تقيّمون المستوى الثقافي في جو الإنحدار الذي تشهده البلد؟

“المهرجان اللبناني للكتاب” الذي بدأنا بتنظيمه بعد سنتين من نشأة الحركة، هو العنوانُ الأبرز لهويِّتنا: إنه تظاهرة شعبية كبرى تستمر أسبوعَين رفضاً للحرب ورهاناتها وإدانةً لها، بدءًا من تسميتنا له: إنه “مهرجان” أكثر من مجرّد معرض كتب، “مساحة فرح” كما سمّيناه، في ظروفٍ مأساوية؛ ليس “مهرجان الكتاب اللبناني” بل “المهرجان اللبناني للكتاب”، أي إبراز وحدة لبنان، وريادته العربية في طباعة الكتاب وهو، بمعناه الواسع، رمزُ الحضارة وحامل التنوّع في الأفكار والتطلّعات الإبداعية، وبخاصة المناقض بعضها لبعضها الآخر من غير أن يستدرج ذلك بالضرورة حرباُ أو أيّ شكل من أشكال العنف، في أجواء من الحريات العامة كانت سمة حياتنا، ولم يعد لها وجود في الواقع آنذاك. إبراز هذا الجانب المُشرق من تراثنا الوطني كان ضرورةً أمام أجيالنا الطالعة لنبرهن لهم أنَّ لبنان الكتاب، لبنان الحريات، لبنان التنوّع والاختلاف، لبنان السلام، هو وطنُهم الحقيقي، لا ما يعايشونه كل يوم من قصف وقتل واعتداءات، ومنذ سنوات شبابهم.

وقد ابتدعنا في “المهرجان” نشاطاً غدا قدوةً لكل معارض الكتب في لبنان والعالم العربي، وهو: “تكريم أعلام الثقافة” الذين أغنَوا ثقافتَنا اللبنانية والعربية، والذين لا يزالون جميعُهم في عزّ عطائهم. واللافت في جمعهم معاً في هذا التكريم هو إبراز تنوُّعِهم السياسي والطائفي والفكري في كل ميادين العلوم والفنون والآداب، مثل: خليل الجرّ، قسطنطين زريق، الشيخ عبدالله العلايلي، ميخائيل نعيمة، حسين مروّة، شارل مالك، عبدالله قبرصي، حسن الأمين، سهيل إدريس، عبد المنعم تلحوق، أنيس فريحة، منح الصلح… (وبعضُهم وافقَ على تكريمه العلَني من غير أن يكون بمقدوره الوصول إلى انطلياس لأسباب أمنية مختلفة، فتمَّ الاحتفال بتكريمه العلني بغيابه مع تلاوة كلمته التي أرسلَها لهذه المناسبة…). ميزة هذه الأنشطة في دلالاتها، وأمثولاتها البيداغوجية للأجيال الفتية والشابة التي لم تختبر حياتياً غير أجواء الحرب المستمرة بمآسيها وسلبياتها طيلة سنوات عمرهم اليافع.

هذا بعض ما زرعناه خلال “الحرب”، وليس من غير شجاعة معنوية ومجازفة.

وخضع “مهرجان” الكتاب بعد ذاك، وللساعة، لمبدأ “تغيُّر الأحوال”، كما يقول ابن خلدون. ولكنه بات عيداً شعبياً سنوياً يمارس التقاليد الناجحة التي أرساها مع انفتاح على الجديد. مع أنشطة متنوعة أخرى على مدار السنة ما يُظهر أنَّ الحركة الثقافية-أنطلياس قد كسبت الكثير من رهاناتها الثقافية الوطنية والانسانية على مدى العقود الأربعة التي مضت، في الحرب وفي السلم، وهي تستمر في تآزرها مع هيئات المجتمع المدني المهتمَّة بالحفاظ على السلم الأهلي، وتدعيمه في النفوس وفي مختلف وجوه حياتنا اللبنانية العامة، الاجتماعية والرسمية.

ووصل المطاف هذه السنة إلى مخاطر وقلق على الاقتصاد الوطني لم يعهدها اللبنانيون سابقاً! وهذا يعطي انطباعاً عاماً باَّننا في مرحلة تراجع وانحدار، أسبابها غائرة في الزمان لم تعالَج وأوبئتها مستمرة ومتفاقمة من غير انقطاع وكلها تعود في المطاف الأخير إلى الفساد المستشري في الطبقة الحاكمة. والثقافة بجانبها المعرفي والعلمي لا تزال هي أداة العلاج الضرورية، أما الأداة الكافية فهي ثقافة وطنية تحاسِب وتعاقِب وتحرِّر السلطة اللبنانية من المتسلِّطين الفاسدين. هذه هي المهمة الكبرى والصعبة للقوى المدنية في كل مجالاتها، وعلى أوسع مدى. 

 

4- هل من تواصل وتنسيق مع الجهات الرسمية مثل وزارة الثقافة والمكتبة الوطنية ومكتبات الجامعات؟

ليس هناك انقطاع بين حركتنا وكل الهيئات الثقافية الرسمية والخاصة. وهو، فلنعترف بذلك، أقلّ من المطلوب. والتقصير في تمتين العلائق له مسوّغاته الخاصة (قلّة العناصر المتفرّغة لمهمّات متعددة، تقوم أصلاً على التطوّع) والعامة (تراجُع القراءة في لبنان، وفي العالم، بسبب تنامي وسائل الاستعلام الإلكترونية السريعة). قد يكون هذا التقصير ناجماً عن واقع أننا لا نتزامن بالقدرة ذاتها على استخدام هذه الوسائل المتجدِّدة باستمرار وتدريب عناصر بشرية كفوءة ومتفرِّغة لإدارتها. 

على إثر انهيار عملتنا الوطنية، وتراجُع سعر صرف الليرة اللبنانية عام 1987، فتحنا مكتبةً عامةً في مقرنا في مجمّع دير مار الياس – انطلياس، مع موظَّفة بدوام كامل. كنا نغذِّي هذه المكتبة بتبرعات كتب من دور النشر العارِضة في “مهرجان الكتاب”، وكنا نشتري البعضَ الآخر (المعاجم، والموسوعات، والكتب الجديدة بخاصة الأجنبية منها، الباهظة الثمن على المواطنين حينذاك)، بالإضافة الى الجرائد اليوميّة والمجلّات الأسبوعية العربية والأجنبية (الفرنسية والإنكليزية)، كل ذلك (راتب الموظفة والمطبوعات الدورية ونثريات التشغيل) من مال الحركة الخاص، من دون مساعدة مالية من أيّ طرف آخر. واستمر الوضع هكذا سنوات إلى ما بعد توقُّف الحرب العسكرية، أي إلى ما بعد إتفاق الطائف. وكان يفِد إلى هذه المكتبة طلابُ العلم من دائرة جغرافية شعاعها حوالي الخمسة كيلومترات، إلى أن تراجعت القراءة في المكتبة ومن المكتبة (البعض اقترح علينا تزويدها بالكومبيوتر والانترنت، ما لا طاقة على هيئة خاصَّة كحركتنا على تحمُّله بشكل مستمر). فعلَّقنا العمل بالمكتبة العامة بعدما عرضت وزارة الثقافة مساعدة مالية على المكتبات العامة في المناطق اللبنانية ولكن بشرط أن تكون هذه بعيدة عن العاصمة بيروت مسافة لا تقل عن عشرين كيلومتراً. وهذا لا ينطبق علينا لأننا على بُعد عشرة كيلومترات منها! ولا زالت كتب مكتبتنا مخزونةً مذذاك، بانتظار افتتاح المكتبة العامة العتيدة في المبنى الجديد لبلدية انطلياس قيد الإنشاء التي أهديناها هذه الكتب والموسوعات!

نتأسف على إقفال هذه المكتبة العامة (بعد طول سجال داخلي حول هذا القرار لا يزال مستمراً حتى هذه اللحظة) وبخاصة أن لم ينشأ بديل عنها في محيطنا الجغرافي. ونعتقد أننا قمنا بواجبنا الوطني بتأمين القراءة لمئات من المواطنين عندما بات سعر المطبوعات أعلى من القدرة الشرائية لهؤلاء! ولا ننظر للتكاليف الباهظة التي تكلّفناها، إذ أنّنا نعرف أننا هيئة مكرسة لمنفعةٍ عامة، وهي بأصلها هيئة من متطوِّعين، لا تبغي الربح.

 

5- دوركم كأستاذ جامعي سابقاً وحالياً في المعهد العالي للدكتوراه في الجامعة اللبنانية، هل يطمئنكم بأن العلم والثقافة بخير في لبنان؟

يتميَّز لبنان الحديث في محيطه العربي بقوة قطاعه الخاص إزاء قطاع الدولة، في التعليم والإعلام بخاصة، فضلاً عن القطاع الاقتصادي بمختلف ميادينه، ضمن إطار هامشٍ واسع كفايةً من الحريات العامة. هذا الهامش المريح من الحريات في لبنان عكسَ واقع التعدُّد الطوائفي في بنيته الاجتماعية-الثقافية، وهو بالتالي ليس مِنَّةً من أحدٍ في السلطة السياسية اللبنانية. 

وعرف لبنان أولى المدارس الحديثة منذ القرن الثامن عشر بحسب المناهج والأنظمة التربوية الحديثة، وبخاصة في تعليم العلوم الحديثة والآداب واللغات… لقد أسَّس المعلِّم بطرس البستاني، الرائدُ النهضوي، في بيروت عام 1863، أولَ مدرسةٍ “علمانية” في الشرق، سمّاها “المدرسة الوطنيَّة” لتمييزها عن مدارس الارساليات الأجنبية والمدارس الخاصة التابعة للمذاهب الدينية المختلفة. ومدرسة البستاني “الوطنية” جعَلَها تتشدّد في تعليم اللغة العربية بموازاة تعليمها لغاتٍ أخرى، وتُعلِّم العلومَ الوضعية الحديثة (الغربيَّة) باللغة العربية حيث كان هو وصديقه المرسَل الأميركي كورنيليوس فاندايك الذي كان يتقن العربية، يقومان معاً بتعريب المراجع الأجنبية (الإنكليزية على الأرجح). وكانت هذه المدرسة “مقدِّمة” لفكرة إنشاء الجامعة الأميركية في بيروت (وكان اسمُها الكلية الإنجيلية السورية)، والتي لحقتْها بعد عشر سنوات جامعة أجنبية أخرى هي الجامعة اليسوعية الفرنسية في بيروت؛ والجامعتان هما من أوائل صروح التعليم العالي الأجنبي في الشرق، ولا تزالان عاملتَين للساعة بتقدُّم مطَّرد. وفي تراث لبنان، العريق أيضاً، كونه أولَ من عرف المطبعة في الشرق… كل ذلك كان دوماً علامةً مميِّزة للبنان في العلوم والثقافة. والشهادات الرسمية التي كان يمنحها لطلابه خرِّيجي المدارس المختلفة كانت مقبولةً، ومحطَّ تقدير، من كل الجامعات الكبرى في العالم.

إلّا أنَّ الحروب الداخلية التي عرفَها لبنان من 1975 حتى 1990، واستمرار الفوضى أثناءَها وبعدها، في التعليم المدرسي والجامعي (ولا داعي للدخول بتفاصيل هذا الموضوع)، أدَّت عملياً لبروز مستوى في التعليم رديء طارئ وواسع، إلى جانب المستوى الجيّد المستمر بمؤسساته التعليمية العريقة المعروفة، وأيضاً بمؤسساتٍ جديدةٍ قليلة ذات مستوى ممتاز. وهذا الواقع يستوي فيه التعليم المدرسي كما التعليم العالي الجامعي الذي عرف فورة في افتتاح “الجامعات” المفتقرة إلى المعايير والشروط الأكاديمية الضرورية، والمحميَّة في مخالفاتها من أركان في السلطة السياسية! أما “الجامعة اللبنانية”، وهي أكبر الجامعات في لبنان وتضم نخبة مميَّزة من الأساتذة، فهي ترزح تحت ضغوط أركان السلطة في تعيين الإداريين فيها من غير اعتبار لمعايير الكفاءة، وهؤلاء يرتكبون المخالفات متواطئين مع أولياء نعمتهم من السياسيين الفاسدين. في هذا الواقع الخطير، يبقى هناك  بعض الإداريين، وهم قلة معزولة عن مراكز القرار، ومجموعة كبرى من الأساتذة الذين يُشهد لهم بمكانتهم الأكاديمية، هي الأمل الباقي لانتشال هذه المؤسسة الوطنية الكبرى من محنتها التي جعلتها غائبة كلياً عن لوائح التصنيف العالمية بالجامعات المحترمة!   

هذا هو واقع لبنان العلمي والثقافي انطلاقاً من مؤسساته التعليمية. أزمتُه سياسية بالدرجة الأولى، وهي أحد أشكال فساد أهل سلطته. الوباء هو في الجامعة، وفي العديد من “الجامعات” التي تُصدر شهادات مزوَّرة، ولكن علاجه هو خارج الجامعة، ولا ينحصر في أهل الجامعة وحدهم.

                                                                                  

6- حاضرتم واستقبلتم محاضرين لبنانيين وعرباً. أين يكمن التقارب الثقافي بينهم، وأين يكمن التباعد؟

السؤال المحوري منذ عصر النهضة العربية الأول، اختصره عنوان كتاب شكيب أرسلان: لماذا تقدَّموا هم، ولماذا تأخَّرنا نحن؟

ولا زالت السجالات حول أسباب تخلّفنا قائمة للساعة، على الرغم من كل محاولات اللحاق. المسألة في الأصل هي على مستوى المجتمعات والدول، وليس على مستوى الأفراد، إذ هناك أفراد عرب مميَّزون بتفوُّقهم الذي لا تتّسع له مجتمعاتُهم! هذا لا يعني أننا لا نتقدَّم، بل أنَّنا نتقدَّم ببطء شديد، ما يجعل الأمر يبدو وكأنه تأخُّر. ثمة نماذج تعليمية (جامعات، مدارس…) في دول هي أقلَ منا عدداً، وثروتها أقلّ أيضاً، ومع ذلك هي متقدِّمة علينا (راجع مثلاً لائحة Q.S. العالمية للجامعات الأولى في العالم للعام 2019، فيها: 4 جامعات لبنانية (“الجامعة اللبنانية” ليست بينها. ولا نحتسب هنا الجامعة الأميركية في بيروت ولا الجامعة اليسوعية فيها لأنهما ليستا لبنانيَّتَين). بينما 8 جامعات هي سعودية، و8 جامعات إماراتية، و6 جامعات مصريَّة، هي في هذه اللائحة). في المؤتمرات العالمية للدراسات نجد المؤتمرين العرب المميَّزين هم من خرّيجي جامعات أجنبية، ويُتقنون بالتالي لغات غير العربية، وهم متساوون في المستوى العلمي مع زملائهم من أرقى الجامعات!

العلوم ليست من الأسرار المغلقة على قوم دون قوم. إنها مشاع لكل متفوِّق مفتوح أمام الأفراد والجماعات (المجتمعات والدول) والجامعات في العالم لا تضع شروطاً للدخول والتخصص فيها غير الشروط الأكاديمية التي تنطبق على كل طلاب العلم من كل البلدان.

المحاضرون في المؤتمرات (لغير طلابهم) هم نخبة من العلماء أهل الاختصاص يجمعهم موضوعُ المؤتمر. وتتمُّ دعوتهم للمشاركة في المؤتمر بناءً على مؤلفاتهم وتصنيفها، وصيتهم العلميّ. لذا لا فرق هنا بين المحاضرين لبنانيين كانوا أم من دول عربية أخرى. لا فرق بين البلدان التي ينتمي إليها هؤلاء، بل الفرق يكون على المستوى الفردي المعرفي. لا يُلزِم منظِّمو المؤتمرات أنفسَهم باختيار محاضرين من كل الدول العربية. إنَّ قيمة المحاضرة، أو المداخلة، هي المقياس للتمييز. واتّساع الثقافة وكيفية استخدامها للكشف عن حقيقة، أو للإضاءة عل موضوع بطريقة جديدة. وفي هذا الموقف لا دخل للبلد الذي يفِد منه المحاضر. 

  

7- أنتم من مؤسِّسي “المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم” أثناء الحرب اللبنانية، وهي تشكّل إحدى مكوّنات المجتمع المدني وجزءًا من “طاولة حوار المجتمع المدني”، كيف تقيِّمون حضور وأداء المجتمع المدني؟

القطاع الخاص القويّ في لبنان يكمن في مجتمعه المدني. إنَّ “انسحاب” الدولة اللبنانية من هذا القطاع، وسَمَه بحرياتٍ لطالما كان يُحسد عليها في المجتمعات العربية الأخرى حيث حضور السلطة في مؤسسات “المجتمع المدني” العربي (الحضور غير المعلَن) طاغٍ. ولكن “المجتمع المدني” ليس أفراداً، بل هيئاتٌ غيرُ حكومية (NGO’S)، تنافسُ الهيئاتِ الحكوميةَ الرسميةَ في بعضها (كالمدارس والمستشفيات، وتنظيم معارض ومؤتمرات إلخ…)، وفي بعضها الآخر تبدو هيئات المجتمع المدني وكأنها تُعوّض تقصيرَ المجتمع الرسمي أو حتى غيابه التام… هذه “المنافسة” تتمُّ في إطار مجتمع يتمتع بحريات عامَّة. وهي تجوٍّد الأنشطةَ عند الفريقين، وتتكامل بواقع أَّن مجتمعها واحد. في كثير من الدول المتقدمة ألغوا وزارة الاعلام الرسمية، وهناك مواقف من بعض الرسميين في لبنان هي مع تطبيق هذا الإجراء عندنا. إنَّ الحفاظ على السلم الأهلي في لبنان هو شأن السلطة السياسية بالدرجة الأولى. إلاّ أن السلطة الرسمية في لبنان لا تُحسن القيام بواجباتها في الحفاظ على السلم الداخلي، لا بل ثمة فيها من لا يدرك أن تهديد السلم الأهلي هو نتيجة مواقف سياسية، ولا يكترث للتربية على السلام كقيمة إنسانية كبرى. وليس في السلطة هيئة متفرّغة لهذا الأمر، وإذا وجدت فرَضاً فلن تكون فعّالةً بسبب الموقف السلبي للمواطنين من عمل المؤسسات الرسمية وطريقة تشكُّلها. لذا يكون المجتمع المدني التطوُّعي، المتحرك بحرية، أفعلَ. فلنأخذ على سبيل المثال تراث “المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم” المذهل في ثرائه وعمقه وتنوُّعه، وشارك في صوغه أكبر عدد من الأفراد (المواطنين) والهيئات، وما على السلطة السياسية سوى المساهمة في نشره على نطاق واسع، في المدارس، وإقامة “طاولة حوار” دائم حوله، والتشجيع على أعمال ومواقف وأنشطة مماثلة. بمثل هذا الموقف يكون التكامل بين المجتمع الرسمي (الدولة المدنيَّة) والمجتمع المدني، وهو الآن في حالة تقصير، لا من جانب المجتمع المدني، بل من جانب السلطة السياسية، وبالتالي من جانب الأحزاب السياسية. الصعوبة التي يعانيها المجتمع المدني في لبنان هي في معرفته أن لا ديمقراطية بدون تعددية حزبية، وهو إذ ينافس الأحزاب في عدد من ميادين الأنشطة، فإنه، مع ذلك، لا يسعى لأن يحل محلها. ولكنَّ غالبية هذه الأحزاب هي التهديد الأول (والأوحد!) للسلم الأهلي، فجمعيات السلم الأهلي نشأت في الأصل للرد على ما كانت تقترفه هذه الأحزاب، وميليشياتها، من نحر للسلم الأهلي! الحل هو في أن تقوم هيئات المجتمع المدني بإعادة  تربية هذه الأحزاب ومحازبيها على قيم السلم الأهلي، في “تمدين” هذه الأحزاب لتخليصها رويداً رويداً من “عسكرتها”. عند ذاك يتم التكامل الديمقراطي بين ضرورتين: ضرورة هيئات المجتمع المدني وضرورة الأحزاب السياسية المختلفة.

 

8- هل من كلمة لهذا المجتمع؟

في كتابه المذكور، كشف شكيب أرسلان عن أنَّ قوة الغرب (بمقابل ضعف المسلمين عموماً، والعرب منهم) يكمن في نشاط هيئاتهم الخاصِّة غير الحكومية بحيث تدعم هذه الهيئات قرارات الحكومة وتكون أحياناً سبّاقةً في أخرى جاعلةً الحكومة تابعةً لها في بعض المسائل! الرأي السائد عندنا هو أنَّ الغرب قويٌّ بدوله. هذا اختزال للواقع الغربي، لأن المجتمع المدني في الغرب قويّ أيضاً وخصوصاً بهيئاته المدنية المستقلة إدارياً، والمدعومة من الدولة: مثلاً، وكالة الفضاء الأميركية “الناسا” ومشاريعها الكبرى في غزو الفضاء، ليست مؤسسةً حكومية، بل خاصة. ولكنَّ الداعم الأكبر لها، وليس الوحيد، هو الدولة.

إنَّ هيئات المجتمع المدني يجب أن تكون دوماً في منافسة، لا في عداء، مع مؤسسات الدولة، وفي التكامُل معها، لا بل في عملٍ منافس يهدف أيضاً إلى تحسين أدائها. وهذا يقتضي من الذين يتطوَّعون للعمل المدني بأن يبقى واضحاً في ذهنهم الفرقُ بين عمل مؤسسات الدولة، وبين قرارات أهل السلطة السياسية. المعارضة لا تكون إطلاقاً للأَولى تحت كل الظروف، وإلّا نكون كمن يدعو إلى الأنارشية أي إلغاء الدولة. واللبنانيون عانَوا أكثر من غيرهم من الشعوب من غياب الدولة خلال تلك الحروب السوداء حيث فرَّخ من هذا الغياب سلطات استبدادية بدائية متشرذمة. فالدولة، بالنسبة لهم، هي قيمة زائدة يجب دائماً السعي إلى تحسينها لا إلى ما يؤدي إلى إلغائها. هذه الحقيقة خير ما يعرفها هم النقابيون الذين يدركون أنَّ حقوقهم يجب أخذها من سلطة قائمة وقوية قادرة على تنفيذ ما تمَّ الاتفاق عليه معها. إنَّ قوة المجتمع المدني هي بهيئاته المتنوعة والمتنافسة، المتكاملة مع مؤسسات الدولة حتى ولو كانت غير فاعلة وممسوكة من فاسدين، فهذه فرصة يجب عدم هدرها تقوم فيها المنافسة/التكامل بتفعيل مؤسسة الدولة واستردادها لتأدية دورها في خدمة المواطنين. مثل هذه المواقف هو من الضمانات الكبرى للديمقراطية، لا يوازيها في هذه الأهمية سوى الحفاظ على تعددية الأحزاب السياسية المختلفة العاملة في إطار الحريات العامة كما تحددها القوانين.

 

9- نشهد بروز المرأة اللبنانية مؤخراً بأدوار علمية واقتصادية وسياسية متميزة، فهي أستاذة، طبيبة، محامية، قاضية، مديرة، سيدة أعمال، نائبة ووزيرة… هل ترونها رئيسة وزارة و/أو رئيسة للجمهورية اللبنانية؟

وضع حقوق المرأة يتأرجح بين فوارق نسبة الضروري إلى الكافي الذي يؤول إلى تصنيف البلدان في سلّم الحضارة، أي تفاوت المجتمعات والدول في النظرة، وبالتالي بطريقة التعامل مع موضوع حال المرأة فيها. ووضع لبنان في هذا المجال يتحسّن باطّراد بفضل المجتمع المدني بحركاته الناشطة الضاغطة على السلطة التشريعية النيابية من غير انقطاع، بخاصة من هيئات نسائية ونساء أفراد لبنانيات من ذوات الاختصاصات العالية في صوغ القضية وحذق التفاوض لتطبيقها وتحويلها إلى قوانين. فإقرار مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري عمره الآن أكثر من عشر سنوات بعد نزاع طويل مع اللجان النيابية المشتركة، هو إنجاز ضروري وليس كافياً إلاّ برفع السياسة إلى القدرة على بث ثقافة جديدة لا ترى في المرأة إلاّ مساوياً للرجل على الرغم من تأخُّر صوغ قوانين الحقوق.

الصراع الديمقراطي والحوار العقلاني المسؤول هما أداة تحقيق هذه الحقوق. ويبقى ذلك ناقصاً من غير تثقيفٍ رائد ضد الجهل والتخلّف الفكري الموروث في مجتمع بطريركي ذكوري هو تجسيد عملي لما تعانيه المرأة. ثمة عنف بنيوي ونفسي ومؤسسي في رحلة الألف ميل.

نعم، إن نجاح المرأة، بل تفوقها، في الوظائف العامة، القيادية منها على الخصوص، على قلّتها، تختصر الطريق الطويل الشاق للنضال من أجل حقوقٍ مصادَرة من قِبَل الرجل وثقافته. ليس هناك مجتمع يعاني من تخلُّف المرأة في نيلها حقوقها، بل هناك مجتمع متخلّف بسبب ثقافته الذكورية المتسلّطة. فالتمييز يبدأ بالثقافة. والمجتمع السياسي بعيد عن هذه الثقافة. يبقى دور المجتمع المدني التطوُّعي هو الأساس بشرط أن يجعل فعاليتَه مطّردة. لاحظوا النسَب المتساوية تقريباً في الجامعات، وهيمنةً أنثوية في كثير من الكليات، وفي مراكز البحوث: هذه الصورة هي التحدّي الكبير ضد ثقافة الجهل والتعصب والتمسّك بفكرة التفاوت “الطبيعي” بين الجنسين، وهي مؤشر طريق.

 بالطبع تبوّوء المرأة سدّة القيادة الأولى في البلد يكون الانتصار الأكبر بدلالاته التي تحسم مسألة الشك المزمن بالقدرة الانثوية. وما عداها يصبح مسألة تفاصيل عملية. إلاّ أنَّ ذلك لا يحجب ضرورة بناء ثقافة حديثة تقدّمية تنزع منها نظرات موروثة عدّة هي مؤشر معركة طويلة مستمرة لا رجوع فيها الى الوراء. هذه الثقافة الحديثة هي الثورة الفعلية في كل بنية المجتمع الحضارية، وإن كانت المرأة موضوعها الأساس فإنها لا تخص المرأة وحدها. فالتغيير فيها هو شامل وتاريخي.

 

10-كيف ترون مستقبل لبنان؟

هذا السؤال والإجابة عنه ينتميان إلى الحاضر على الرغم من محاولة تجاوز الحاضر. ولكنَّ هذا الحاضر، حاضرَ السائل والمُجيب، مقلقٌ وملبّدٌ بأزمات موروثة ومستمرة بتهديدها المتمادي. ها هي الأزمة الاقتصادية تُضاف إلى لائحة الأزمات، لا بل باتت تحتلُّ الأولية! إذا كان المستقبل يبدأ الآن، كما يقول أحدُ الإعلانات الترويجية، فأصحاب الخبرة، الكثيرة أو القليلة، يعرفون أنْ لا حلول كثيرة ستأتي غداً، أو الشهر المقبل، أو السنة المقبلة. المسألة ليست هنا وكأننا متفرجون على ما لا طاقة لنا عليه. المهمّ والصعب (صعوبة قد تستمر طويلاً) هو وضعُ الأمور على سكّتها لا الحلم في إزاحتها. وهكذا يكون المستقبل سلسلةَ نضالاتٍ قاسية وتهديداتٍ مستجدة، ولكن مشفوعاً دوماً بالأمل، الأمل الذي هو بوصلة كل العاملين في الشأن العام. وما عدا ذلك، فليس موقفاً واعياً ملتزماً ومسؤولاً، في المجتمع المدني كما في السلطة التي لن نزحزحها إلّا بضغطنا الديمقراطي المنظّم، في كل زمان وكل مستقبل. وما عدا ذلك فنومٌ وأحلامٌ “وتبصيرُ” جهَلة.

د. أنطوان سيف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *