بيانات

بيان مجلس مجموعات من الثورة مؤتمر دعم القضاء 20 كانون الأول 2020

إن الجمهوريّة اللبنانية في أسوأِ أحوالها اليوم. سُلطاتها الثلاث التشريعية، التنفيذية والقضائية التي كرّسها الدستور وقامت عليها الجمهورية، تساقطت أمام هول المآسي الإقتصادية والأمنية والإنسانية التي يعيشها اللبنانيون، وأمام فظاعة ما ارتُكب بحق الدستور والقانون من استباحةٍ، وإنتهاكاتٍ وتكريسٍ لأعرافٍ شاذّة:

أولاً، السلطة التشريعية غاب عنها أنّ الشعب هو مصدر السلطات، وصاحبُ السيادة فأضحت خارج شرعيته، فقد إستباحها زعماء الميليشيات الطائفية المستمرون بموجب قوانين انتخابية متخلّفة تجاوزت الدستور، فأخضعت الدولة ومؤسساتها لسلطان الجريمة المنظمة والمحاصصة والمحسوبيات.

كذلك غاب دورها التشريعي والرقابي، فتحوّلت إلى منصّة تحمي فساداً مستشرياًّ ينطلق من رأس الدولة حتى آخر مفاصلها، وهي تمنع بإسم أكثرياتٍ وهميّة خارجة عن شرعيّة الشعب تشكيل حكومة إختصاصيين مستقلّين تتقذ ما تبقّى من لبنان وتعيده إلى كنفِ الشرعيّتين العربية والدولية. وها هي اليوم تحاول الانقضاض على القضاء لمنعه من سبرِ أغوارِ ما افتعلته في الإدارة والأمن والإقتصاد لتحقيق العدالة في جريمة العصر “تفجير مرفأ بيروت”.

ثانياً، السلطة التنفيذية المتهالكة والمستهلكة التي تغرق في سباتٍ عميق، متقاعسةً عن دورها في وضع السياسات العامة للدولة، والسهر على تنفيذ القوانين والإشراف على أعمال كلّ أجهزة الدولة ومؤسساتها دون استثناء، نراها تؤكّد كلّ يوم عدم استقلاليتها واستسلامها لمنظومة أمرِ واقعٍ تُملي عليها قراراتها، وتتخلف عن تلبية أبسط حاجات المواطنين الإقتصادية والأمنية، وآخرها الصحيّة. وقد تُضيف على فشلها قراراً جديداً برفع الدعم عن السلّة الغذائية للمواطنين.

ثالثاً والأهم، السلطة القضائية التي نالها الكثير من الاعتداء على استقلاليتها، حيث تمنّعت رئاسة الجمهورية عن توقيع مرسوم تشكيلاتها القضائية، يتمّ استخدامها اليوم لكمِّ أفواه اللبنانيين ومنعهم من ممارسة حريّة التعبير التي يكرّسها الدستور خدمةً لفريقٍ يحاول عسكرة الحياة السياسية وتصفية الحسابات. إنّ هذه السلطة التي يراهن عليها اللبنانيون للإنطلاق بمسيرة الإصلاح مطالبة باستعادة استقلالية قراراتها:

* لأننا نريد القضاء مترفعًا، حاسماً يساوي بين الجميع، لا تعلو سقف عدالته أيُ سلطةٍ أو مقامٍ سياسي أو ديني.

* لأن هيبة القضاء هي الأساس في تعميم الأمن وخفض الجريمة ومنع الإرتكابات.

* لأن العدالة والحفاظ على الحقوق هي السبيل لاستعادة الثقة بلبنان واجتذاب الرساميل وانتعاش الاقتصاد.

لأنّ العدل أساس المُلك، فلا قيامة لدولة دون قضاءٍ مستقلٍ وعدالةٍ مطلقة.

إنّ إستقلالية القضاء لا تقتصر على النصوص إنما تكتمل بالأداء السليم لكلّ من اعتلى قوس محكمة.  بالأمس القريب لاحت بارقة أمل بخرق الجدار الإسمنتي الذي بناه سياسيو التسلّط والفساد حولهم، حين إدّعى قاضي التحقيق على سياسيين من الدرجة الأولى، مخترقاً قواعد بقيت محرّمة لفترة طويلة. نعلم أنّ الخطوة جاءت مجتزأة تشوبها ثغرات كثيرة، لكنها لا تُقاس بحجم جريمة تفجير المرفأ التي دمّرت مرفأ العاصمة وجزءاً كبيراً من أحيائها، لقد كان المطلوب التعاون في إقفال هذه الثغرات وتقويم مسار التحقيق بدلَ استنفار المذاهب وإثارة الغرائز والنعرات الطائفية البغيضة نُصرةً لمواقعها، وتناسي مصلحة الوطن واحترام الدستور.

نطالب فخامة رئيس الجمهورية بتوقيع التشكيلات القضائية وإطلاق يد رئيس مجلس القضاء الأعلى لتسيير عجلة القضاء وتحقيق إستقلاليته، ولتتحمل السلطة القضائية مسؤولية قرارتها أمام الشعب والعدالة والتاريخ، تحت سقف الدستور والقانون وليس وفقاً لمنظومات المحاصصة والمحسوبية.

وعليه نناشد ونطالب قاضي التحقيق فادي صوان وكلّ قضاة التحقيق، التمسك باستقلالية القضاء والسّير بالتحقيق نحو الحقيقة التي لا تبدأ بأرصفة مرفأ بيروت وتنتهي عند مدخله، بل تبدأ عند من إستقدم باخرة الموت إلى بيروت، ومن سمح بإفراغها وتخزين حمولتها من المتفجرات، وإخراج بعضها، والتسبب بتدمير مِرفقٍ حيوي، وسقوط أكثر من مئتي شهيد وستة آلاف جريح من كلّ لبنان.

إنّ إستقلالية القضاء كانت ولم تزل المطلب الأول للثورة ولكلّ اللبنانيين، فلنحققها بدعم القضاة وبكلّ وسائل التعبير والضغط التي يتيحها الدستور والقانون.

 فليحيا القضاء المستقلّ ولتسقط سلطة الفساد والمحاصصة إلى غير رجعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *