مقابلات

“أخبار وحوار” أجرت مقابلة مع حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة

دخل رياض سلامة تاريخ لبنان الإقتصادي الحديث. قاد المواجهة سبيلاً لإبقاء السياسة النقدية تحت السيطرة، وللتمكن من الحفاظ على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية، فكان صمود لبنان في وجه العواصف المالية التي هزت العالم إقليمياً ودولياً، وبالتالي جاء انتخابه أفضل حاكم بنك مركزي عربي لعام 2019 مستحقاً. هذا الانتخاب، الذي شكّل اعتزازاً وطنياً، لم يكن الأول، ولن يكون الأخير، إذ أن هذا الرجل يتمتع برؤية ثاقبة، وبمهنية تصنّفه صف الأوائل عالمياً. باختصار، إنه يشكّل ثقة حصينة لم تهتز يوماً، رغم الحملات الجائرة، كما يشكّل ركيزة ثابتة يقويها الإيمان بالوطن وباستمراريته.

1.     بشكل عام، ما هي نظرتكم للوضع المالي، ومن ثم الاقتصادي، في لبنان بعد تشكيل الحكومة؟

رغم كل الظروف الداخلية والخارجية، يبقى الوضع المالي والنقدي مستقراً، ونحن نأمل أن يتحسن الوضع الاقتصادي، إذا ما نفذّت الحكومة ما تعهدت به في بيانها الوزاري بشقه المتعلق بالإصلاحات. إن الإصلاحات الواردة في مشروع الموازنة، وانطلاق تنفيذ خطة الكهرباء، كل ذلك يعطي إشارات إيجابية للأسواق والقطاعات الاقتصادية.

 2.     ما هو وضع  القطاع المصرفي، وما هي الخطوات التي يجب أن يتخذها هذا القطاع ليواجه أية تحديات؟ 

نحن حريصون على وجود قطاع مصرفي متين وسليم وملتزم بالقواعد المصرفية الدولية. والواقع أن قطاعنا المصرفي لديه رسملة مرتفعة، ونسبة ملاءة تساوي 16% طبقاً لمقررات بازل 3، وقد نجح في تطبيق المعايير المحاسبية الجديدة مثل الـ IFRS 9، فضلاً عن وجود إدارة مصرفية رشيدة، ولجان مختصة بإدارة المخاطر. كما أن سياسة مصرف لبنان التي تقضي بعدم إفلاس المصارف، بل دفعها إلى الدمج في حال واجهت صعوبات، ساهمت في توسيع قاعدة الودائع في لبنان التي باتت تمثّل 4 أضعاف إجمالي الناتج المحلي. 

 3.     ما هو وضع الليرة برأيكم، وتلازم سعر صرفها بالدولار، وهل ستبقى مستقرة؟ 

الليرة اللبنانية هي ركيزة الثقة لاقتصادنا وقطاعنا المالي والاستقرار المالي، ومصرف لبنان ملتزم بالإبقاء على سياسته الهادفة إلى استقرار سعر الصرف بين الليرة والدولار، ولديه القدرة على تحقيق هذا الهدف الذي بات مطلباً وطنياً.

4.     هل يستطيع لبنان أن يوقف التعامل بالدولار داخلياً؟ وما تأثير ذلك – إذا حصل – على الاقتصاد برأيكم؟ 

هناك مفارقة لدى التحدث عن القطاع المالي أو الإقتصاد اللبناني، بسبب عدم تعامل لبنان بعملته الوطنية، بل بالدولار. نحن واقعيون، وقد قبلنا بهذا الواقع، فنسبة دولرة الودائع قاربت الـ 72%، وهذا القبول ناتج عن رغبتنا في إعطاء الأولوية للنمو الاقتصادي ولتوسع الخدمات المالية في لبنان. وقد حققنا ذلك. ثمّة صعوبة أخرى تقضي بالمحافظة الدائمة على الثقة لأن الدولارات الموجودة في لبنان لا تتأتى من الصادرات ولا من مواد أولية، بل هي مبنيّة على حرية التعامل وعلى التحاويل والعمليات المالية التي تتمّ ما بين القطاع المصرفي والبنك المركزي. 

5.     ما هو أثر الإصلاحات المطلوبة من “سيدر”؟ وهل تكفي لتجنيب لبنان من أية كارثة اقتصادية مستقبلية؟

 “سيدر” هو مشروع حيوي للبنان، ويفترض أن يعيد تأهيل البنية التحتية القادرة على توليد النمو. نحن نعلم أن نتائج المؤتمر لن تكون سريعة، ولكن البدء بتطبيق المقرّرات سيمنح ثقة للسوق. وإذا تحققت المشاريع المقدمة في “مؤتمر سيدر”، فإن ذلك سيؤدي الى نقلة نوعية لنمو الناتج المحلي في لبنان، خصوصاً إذا واكبته إصلاحات داخلية، مما سيؤدي إلى تراجع في نسبة الدين العام من الناتج المحلي. يمكننا أن نقدّر أنه في مقابل كل مليار دولار ينفق، يمكننا زيادة النمو 1%.

6.     هل هناك خطة فعالة لمواجهة الدين العام والتخطيط لسداده، لا سيما أن جزءاً كبيراً منه هو للقطاع المصرفي؟

 إنمشكلة لبنان ليست في المديونية، بل في عجز الموازنة. ونحن نؤمن أن تحقيق الإصلاحات المرجوة وإقرار موازنة تقشفية سيؤديان حتماً إلى تراجع نسبة الدين إلى الناتج المحلي، وبالتالي تخفيض العجز. لذا نحن في انتظار إقرار الموازنة كي تصبح الصورة واضحة عن خطة الحكومة الاقتصادية والمالية. 

7.     ما هو تأثير تقرير “ستاندرد اند بورز” حين خفض التصنيف، ودلّ على وجود مخاطر بالرغم من مؤتمر سيدر؟ 

لقد استبق مصرف لبنان الأمور وعزّز رسملة المصارف التجارية. فبفضل الهندسات المالية التي أجراها سنة 2016 ، بلغت نسبة الملاءة لدى المصارف 16% وتمكنت هذه الأخيرة من تطبيق المعيار الدولي للتقارير المالية  IFRS 9. هذا ما سمح للمصارف بتجنّب تداعيات تخفيض تصنيف لبنان، من دون أن تتأثر قدراتها التسليفية. من جهة أخرى، تقوم مصارف دولية مثل “البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية” بزيادة خطوطها الإئتمانية للمصارف اللبنانية التي تختارها. ويتواصل مصرف لبنان من جهته مع مصارف دولية أخرى لكي تحذو حذوَ البنك الأوروبي.

إن لبنان، بفضل نظام الامتثال المطبق لديه، وبفضل التزامه التبادل التلقائي للمعلومات لغايات ضريبية بهدف مكافحة التهرب الضريبي، هو بلد أهلٌ للاستفادة من تمويل مؤسسات دولية كهذه أو من تمويل الجهات المشاركة في “مؤتمر سيدر”.

8.     ما هي رسالتكم للمبدعين في لبنان؟ 

إن نجاحات اللبنانيين وابداعاتهم، ليس فقط في الاقتصاد والسياسة، وإنما في جميع المجالات الأخرى مثل الموضة والألبسة والمجوهرات والتصميم والفن والعلوم والتكنولوجيا والطب وغيرها، هي من الأمور التي تبعث على التفاؤل والأمل بمستقبل أفضل للبنان.

نحن نؤمن بأنه مهما صعبت الأمور، سيبقى لبنان يتمتع بقدراتٍ وطاقات تفوق حجمه وتتخطى حدوده، وتدفعه إلى الأمام وترفع اسمه عالياً، في مجاله الحيوي العربي والعالم، وفي مختلف المحافل والحقول.

9.     ما هي رسالتكم للمرأة اللبنانية؟ وهل في عهدكم سنتوقع للمرة الأولى في تاريخ لبنان، أن تعيّن امرأة من بين نواب حاكم مصرف لبنان الأربعة؟ 

لا تفرقة بين الرجل والمرأة،  وقد عيّنت عدداً من المدراء من النساء. لا مانع إذاً أن تكون المرأة  نائب حاكم، ولكنّ القرار يعود أيضاً لوزير المالية ومجلس الوزراء. 

10.  ما هي رسالتكم للشباب اللبناني الذي يتخرج من الجامعات ولا يجد فرص عمل في وطنه؟ 

بالفعل، إن تردّي الأوضاع الاقتصادية في لبنان خلال السنوات الأخيرة قد أثّر بشكل سلبي على كمية ونوعية فرص العمل المتاحة للشباب اللبناني. إن التحدي الأكبر الذي نواجه اليوم، هو تأمين فرص عمل ملائمة لهؤلاء الشباب، وحثهم على البقاء في بلدهم والمساهمة في نموه.

من جهته، وضع مصرف لبنان في واجهة اهتماماته الشباب اللبناني وهو لم يتوانَ خلال السنوات الماضية عن بذل كل الجهود اللازمة بغية تشجيع الشباب على التحصيل العلمي والابتكار. فلقد سعى الى إطلاق مبادرات من شأنها أن تشجع وتساعد الشباب على متابعة الدراسة في مؤسسات التعليم العالي، والانطلاق في تنفيذ مشاريع جديدة في مختلف القطاعات وتطويرها. ومن ضمن مبادراته التي أطلقها أيضاً قطاع المعرفة الرقمي. فاقتصاد المعرفة هو الاقتصاد الذي توظف وتستثمر فيه المعلومات لابتكار منتجات أو خدمات جديدة ومتجددة ذات قيمة مضافة عالية، تشكّل مكوّناً أساسياً في العملية الإنتاجية وتوليد الثروة. واقتصاد المعرفة يخلق فرص عمل جديدة ليس للمبتكرين والمبدعين فقط، وإنما أيضاً لأصحاب المهارات المتصلة بنشاطاته.

نحن باقون على ثقتنا وإيماننا بمستقبل لبنان وشبابه، وكلّنا نتفق بأنّ لبنان قد تحمّل الكثير، وحان الوقت للخروج من الظلمة إلى النور، كي لا يبقى لبنان بلد الفرص الضائعة. فالطاقات الموجودة لدى اللبنانيين المؤمنين باقتصادهم الوطني كانت دائماً أقوى من كل الأحداث والأزمات التي شهدها لبنان ولا يزال.   

11.   ما هو مصير القروض السكنية الذي وُعد المواطن باستئنافها، ثم وكأنها لُجمت؟ 

القروض السكنية لم تتوقف. لقد أطلق مصرف لبنان في بداية العام الحالي رزماً جديدة من القروض المدعومة موزّعة كالآتي: 500 مليون دولار للقطاعات الإنتاجية، وقروض سكنية بالليرة اللبنانية بقيمة 220 مليون دولار، يضاف إليها قرض بالدينار الكويتي قدّمه الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي لمصرف الإسكان وقيمته 165 مليون دولار. نحن نعتبر أن هذا المبلغ كافٍ لتمويل الحاجات السكنية في لبنان. لم تلتزم أو لم تشأ جميع المصارف تطبيق تعميم مصرف لبنان المتعلق بالقروض السكنية. لكنّ هذا لا يعني عدم وجود قروض سكنية مدعومة لهذا العام. هنالك العديد من المصارف التي التزمت وشاركت في هذا البرنامج وشروطه، وبالتالي هي قادرة على تأمين هذه القروض السكنية للمواطن.   

12.     هل من قروض بيئية مثلاً، نظراً لما يعانيه لبنان من ظروف بيئية متراجعة؟

إن القروض البيئية التي يدعمها مصرف لبنان ما زالت مستمرة وهي من ضمن رزمة الـ500 مليون دولار التي أطلقها بداية هذا العام والموجهة للقطاعات الإنتاجية.

لقد التزم مصرف لبنان منذ زمن بدعم الجهد الوطني من أجل تحسين البيئة التي نعيش فيها، خاصة أننا بأمس الحاجة لذلك، بسبب ما نتعرض له من اعتداء بيئي يهدد صحة اللبنانيين والمناخ في لبنان، كما اقتصاده. ولقد شكّلت حوافز مصرف لبنان التي أطلقها منذ العام 2009 فرصة لإطلاق مشاريع تحافظ على بيئة قليلة التلوث والمخاطر، لما لذلك من منافع على صحة المواطن، فضلاً عن مشاريع الطاقة البديلة التي لا تقتصر إيجابياتها على صحة المواطنين فحسب، بل لها منفعة اقتصادية، كونها تؤمّن وفراً بكلفة الطاقة على ميزانية الأسر والمؤسسات والدولة.

13.    ما هي رسالتكم للشعب اللبناني بشكل عام، وللحكومة اللبنانية بشكل خاص؟ 

يعمل مصرف لبنان لمصلحة الشعب اللبناني، محترماً قانون النقد والتسليف. ونأمل أن تحقق الحكومة الأهداف التي وضعتها من تخفيف العجز وإصلاح قطاع الكهرباء وتنفيذ مشاريع “سيدر” مع الإصلاحات المرتبطة بها ، وأهمّها إعادة تفعيل وتطوير القطاع الخاص.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *