مقابلات

“أخبار وحوار” أجرت مقابلة مع الوزير السابق معالي الأستاذ زياد بارود

المقدمة
زياد بارود، إسم نسترجعه كلما تحدثنا عن المجتمع المدني، وكلما تحدثنا عن إنجازات تمَّت دون ضجيج، وعن فعالية أثبتت أن من يملك القدرات الفكرية والإرادة السياسية، قادر على الفعل. في الحوار معه، لا يفاخر بإنجازات كبيرة حققها، وهو من أجرى الإنتخابات النيابية في يوم واحد في كل المناطق اللبنانية، وهو من مكنن مصلحة الأحوال الشخصية في وزارة الداخلية، وهو من عزز دخول المرأة إلى قوى الأمن الداخلي، وهو من دعم الكوتا النسائية، إلى الكثير الكثير الذي يبقى في ذاكرة رأي عام  ينتظر أن يعود إلى الموقع الرسمي الذي يمكّنه من خدمة مجتمع يثق به وبأدائه.   
1- حسب خبرتكم العملية كمحام وكوزير، هل الحلقة التي تربط السلطة التنفيذية بالقانون متينة بشكل كاف؟
ثمة مفردات تتكرر عند معظم الطبقة السياسية، ومنها تعبير “دولة القانون” الذي دخل قافلة التعابير المستهلكة وبات لا يعني شيئاً على الإطلاق. والسبب في ذلك أن القانون يأتي أحياناً على هوى مشرّعين يفصّلونه على قياسهم. من قال إن القانون يحترم دائماً معايير الحق؟ ومن قال أن كل قوانيننا جيدة؟ وبالتالي فإن ربط الدولة بالقانون قد لا يكون موفقاً وأرى أن ربطها بالحق هو الأنسب. دولة الحق هي الترجمة الأسلم للتعبير الفرنسي Etat de droit. هكذا تستقيم الحلقة التي تربط السلطة بالقانون. أما في واقعنا الراهن، فثمة إشكالية كبرى بين التشريع والهدف من وراء التشريع. هل مشروع قانون الموازنة يلبي معيار الحق؟ هل غياب قطع الحساب، بل تغييبه، يحترم المادة 87 من الدستور التي تمنع بوضوح كلي أن تُنشر الموازنة ما لم يسبقها إقرار قطع الحساب؟ والأدهى من ذلك كله أن “القانون” الذي يريدون ربطه بالدولة سيأتي مخالفاً للدستور عندما سيعطي الحكومة مهلة 6 أشهر لإتمام قطع حساب غائب منذ عقود! لذلك، وجواباً على سؤالكم، أرى أن الحلقة التي تربط السلطة عموماً بالقانون هي حلقة مفصّلة على القياس وعبثاً نحاول بناء الدولة إذا لم نحترم دستورها وإذا لم نجعل القانون، أي قانون، خاضعا لمعيار الحق الذي لا يتغيّر.
2- حسب خبرتكم أيضاً، هل أن التشريع في لبنان بحاجة إلى تحديث؟
كل تشريع بحاجة إلى تطوير. القانون إبن بيئته وينبغي أن يواكب المتغيرات المجتمعية، إنما أود الإشارة إلى أن جديد التشريع ليس بالضرورة أفضل من قديمه. وقد رأينا تشريعات “عثمانية” ليبرالية بالمعنى القانوني للكلمة، كقانون الجمعيات لعام 1909 الذي يحتاج إلى تطوير طبعاً، وإنما ضمن استمرار تكريس حرية الجمعيات التي نص عليها.
3- لقد أعددتم مشروعاً لـ”اللامركزية الإدارية”، وهي مطلب حقوقي أساسي. هل سيرى النور قريباً؟
أميل إلى التفاؤل، بالنظر إلى الجهد الكبير الذي تقوم به اللجنة الفرعية في مجلس النواب برئاسة النائب جورج عدوان ومشاركة معظم القوى السياسية الممثلة في البرلمان. اللامركزية إصلاح بنيوي وتستطيع أن تساهم في نقل البلد من حالة إلى أخرى أفضل، لا سيما على مستوى المشاركة المحلية وعلى مستوى إدارة التنوع ضمن الوحدة وعلى مستوى المساءلة الشعبية. أتمنى ألا يتم تشويه المشروع وألا تُزال منه الأحكام التطويرية. أتمنى خصوصاً أن يبقى الشق المالي- التمويلي حاضراً بقوة في المشروع لأن أوسع الصلاحيات قد لا تعني شيئاً في غياب العصب المالي.
4- من بين المواقع التي شغلتم، عضوية مجلس إدارة نهار الشباب “صوت اللي ما إلهم صوت” وكان له أثر ملموس على توعية الشباب لدورهم ولانخراطهم في الحياة الوطنية. أين أصبح هذا الصوت في ظل وسائل التواصل الاجتماعي الحالية؟
“نهار الشباب” كان محطة مهمة في الحياة الشبابية اللبنانية وقد ملأ يومها فراغاً هائلاً بفضل حماسة ورؤيا الشهيد جبران تويني. ولو كان جبران بيننا اليوم، فأنا متأكد أنه كان استخدم وسائل التواصل للوصول إلى الهدف ذاته. تغيرت الوسائل أما المضمون والحاجة إلى “الصوت”: ففي تصاعد. نحن أمام مشهد مختلف. نحن أمام شباب يعانون وإنما يطمحون أيضاً ويحلمون. ربما كانت وسائل التواصل الجديدة قد فسحت مجالات أوسع فبات كل شاب وصبية قادراً على التعبير بسهولة أكبر. “الصوت” أصبح “يودي” بسهولة أكبر وعلى نطاق أوسع.
5- كنتم عضواً في “الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب” التي رأسها الوزير فؤاد بطرس، وقدّمتم قانونًا وُصف بالمدروس، لكنه لم يقرّ. ماذا اقتبس القانون الحالي من مشروعكم؟
فعلاً، التجربة في الهيئة الوطنية لقانون الانتخاب كانت مميزة وتأسيسية. مع نواف سلام وبول سالم، تحديداً، والثلاثة كنا من مؤسسي “الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات” (LADE)، استطعنا إدخال أفكار الجمعية ونضالها إلى نقاشات الهيئة التي تلقفتها بإيجابية، فجاء مشروعها متضمناً كمّاً هائلاً من الإصلاحات المرجوة، كالهيئة المستقلة للانتخابات، والورقة المطبوعة سلفاً، والكوتا، وغيرها من المسائل. لكن القليل منها أقر في مجلس النواب لاحقاً. للأسف.
6- خضتم الانتخابات النيابية على أساس القانون النسب،ي الذي من المفترض أن يكون التنافس فيه على أساس البرامج. لكن، بدلاً من ذلك، شوّهته تحالفات الأضداد من قوى الأمر الواقع. هل أنتم نادمون على خوض الانتخابات في ظل هذا القانون؟
لست نادماً على خوض المعركة. هذه “معمودية” ضرورية حتى لا يبقى الكلام مجرد تنظير. آسف فقط لعدم تمكّننا من جمع الطاقات والقوى التغييرية في لوائح قوية. وكلنا مسؤول عن ذلك وأنا منهم. القانون طُبخ لصالح الأحزاب الكبرى والمال الوقح. حتى ان المستقلين اضطروا للتحالف مع المجموعات الحزبية الكبرى. وأعتقد أن القانون الحالي يناسب هذه الأخيرة لدرجة أنه لن يتم تعديله. ليست النسبية في القانون سيئة، بالعكس، فهي مطلب إصلاحي مزمن. لكن بقي الصوت التفضيلي الواحد والمال المال والمال…
7- معاليكم ابن المجتمع المدني وأبرز من ساهم في تظهير وجوده. أين أنتم منه اليوم وأين ترون موقعه وأدائه؟
تجربة الانتخابات النيابية الأخيرة كانت قاسية على المجتمع المدني ولكن أرى أولاً أن خسارة لوائح “محسوبة” عليه لا يعني خسارته. المجتمع المدني أكبر من مجموعة أشخاص. ثانياً إن مجرد خوض الانتخابات يزيل عن المرشح صفة المدني. الانتخابات سياسة. لذلك أفضّل تحييد المجتمع المدني عن هذه الوحول. هو في صلب النضال المطلبي عبر حملات، عبر مجموعات ضغط، عبر مواجهات حيث يجب. أراه اليوم بحاجة إلى إعادة تموضع في هذا الاتجاه. لم يكن مؤسسو LADE مثلاً مرشحين للانتخابات، بل كانوا قوة ضغط هائلة وتمكنوا من تحقيق أهداف ليس أقلها إجراء الانتخابات البلدية بعد 35 سنة على غيابها. المجتمع المدني أكبر من السياسة. هو في صلب السياسات. وهذا الأهم اليوم.
8- بماذا تتوجهون لهذا المجتمع المدني الذي يفتقد التنظيم والتأطير؟
لا أتوجه إليه بأي شيء إلا بدعوته إلى عصف فكري يسمح له برسم خارطة طريق لسنوات إلى الأمام. وضع البلد اليوم صعب والحاجة كبيرة إلى مجتمع حيّ يطرح بدائل، يناضل، يحقق الأهداف، بمعزل عن أي طموح “سلطوي”. نجح المجتمع المدني يوم كان متحرراً من كل قيد ويوم كان نشاطه وأداؤه في اتجاه تغيير الأنماط.
9 – هل أنتم متفائلون في مستقبل لبنان القريب والبعيد؟
الواقعية لا تسمح بالتفاؤل اليوم لكنني أراهن على صلابة اللبنانيين وعلى قدرتهم التاريخية على تخطي الصعوبات. لست قلقاً في السياسة. الاقتصاد هو الذي يقلقني. في السياسة، وجهات نظر. أما في الاقتصاد، فأرقام لا تكذب، وحقيقتها مرّة. الاقتصاد يعني أيضاً حالة اجتماعية مأزومة، وهذا مقلق للغاية. صحة البلد هي في صحة طبقته المتوسطة، وهي في العناية الفائقة. ما يقلقني أيضاً هو تراجع عامل الثقة بالدولة، ولو كانت الثقة قائمة، لكان ارتضى اللبنانيون واللبنانيات أن يسددوا الضرائب “وعلى قلبهم متل العسل” ولكانوا قدّموا التضحيات من أجل أبنائهم وبناتهم ومستقبلهم. لا ثقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *