مقابلات

“أخبار وحوار” أجرت مقابلة مع الدكتور كامل مهنّا

طبيب متخصص تجاوز مهامه العلمية العملية إلى فضاء الإنسانية الواسع. حوّل المهنة إلى مهمة وأوكل إلى نفسه تنفيذها. نظرته الاستشرافية مكّنته من رؤية الفجوة بين القطاعين العام والخاص وما ينتج عنها من نقص في العدالة الإحتماعية. طالب بردم الهوة وعمل جاهداً لردمها بوسائل الطبيب المداوي والإنسان الذي يحلم بمعادلة مثالية تبقي الإنسان متمتعاً بإنسانيته، داعياً إلى الالتزام بقضايا الشعوب العادلة، وأن يكون الإنسان هو الهدف والمحرك. عمل على التوعية والتثقيف والإنقاذ. حسه الوطني جعل منه ناشطاً في المجتمع المدني على طريقته وبوسائله. يقول: “إنّ “مؤسسة عامل” حددت خياراتها، وهي تقوم بما أسميّه بالمقاومة الإنسانية لما فيه خير الشعوب، ومع دولة العدالة الاجتماعية، ومع توزيع عادل للثروات.”

إندفع لخدمة النازحين واللاجئين، فمنحته “مؤسسة القلب الكبير” “جائزة الشارقة الدولية لمناصرة اللاجئين” لعام 2019. بذل جهداً وتفانياً منقطعَي النظير، مما يؤهله لأن يكون مرشحاً لـ”جائزة نوبل للسلام” التي يتمناها له كل لبناني وكل عربي. إنه الدكتور كامل مهنّا، رئيس “مؤسسة عامل” والمنسق العام لـ”تجمع الهيئات الأهلية”.

1- لا لزوم لبطاقة تعريفية بالدكتور كامل مهنّا، لكن بكلمات مقتضبة، كيف تصفونه؟

سمّاني أحد الأصدقاء “عاملٌ في عامل”، وأجده وصفًا ملائمًا لي بعد نحو نصف قرن من العمل اليومي في القطاع المدني الإنساني.

2- إنّ عملكم في لبنان مشهود له بنجاحات متميزة: 25 مركز وست عيادات ووحدتين تعليميتين. كيف تحققت هذه النجاحات، وهل من عراقيل واجهتكم في بلد البيروقراطية فيه معرقلة أصلاً؟

كوني أعمل منذ نحو نصف قرن في المجال الشعبي والإنساني والتنموي والحقوقي، إضافة إلى الالتزام بقضايا الشعوب، وفي مقدمتها الفلسطينية، من الموقع التغييريّ والإنسانيّ والمدنيّ غير الطائفيّ والتقدميّ. ولقد استنتجت من خلال تجربتي الطويلة أنّ ما يسود في مجتمعاتنا بشكل عام هو: أولاً، ثقافة السلبيّة أي إن الفكر السائد في مجتمعنا هو فكر سلبي، ثانياً، العدمية، إذا سألنا شخص ماذا فعل طيلة عقود؟ غالباً يكون الجواب “لا شيء”، ثالثاً، تسود عندنا “ثقافة الاتهام”، فهناك دائماً من يتحدّث كأنه قديس يريد التغيير والإصلاح ويرفض الأخطاء، رابعاً، غياب الاستراتيجية العامة للعمل، فبدل أن نعمل من الرأس نعمل من الأطراف، أي الانشغال دائماً في التفاصيل، مما يغيّب عن بالنا الرؤية الشاملة، وخامسًا، ثقافة عدم الاعتراف بالآخر.

وبالتالي، فإننا في “عامل” عملنا وفق مبادئ الثلاث ميمات: مبدأ، موقف، ممارسة، على إيجاد فرصة في كل تحد، بدءًا من عيش روح الفريق أي أن نقول نحن وليس انا، ومن أجل ذلك رفعنا شعار: “التفكير الإيجابي والتفاؤل المستمر”. أي لا نعمل الا ما يجمع، ولدينا إرادة لإبراز الجوانب الإيجابية عند الآخر، ثم عملنا معًا ضمن العناوين التالية: الثقة بالآخرين، محبتهم، وأنا أسميه التراحم، ثم توفير المعلومة، ووضع الخطة وإيجاد الكادر الكفوء الذي ينفذ هذه الخطة.

من هنا، ومهما كانت العراقيل البيروقراطية، يمكنني القول إنه إذا توفرت القيادة المخلصة والمتفانيّة، والتي لا تريد شيئاً لنفسها، وتعمل مع الآخرين بروح المساواة والتراحم والثقة وعمل الفريق والحرص على تطوير القدرات القيادية لدى الكادر، فالإنجاز يحصل. وقد حصل بالفعل عبر مراكز “عامل” التي تقدّم الخدمات وتعمل على التنمية والحقوق في جميع المناطق اللبنانية. لدى “عامل” اليوم، 26 مركزاً في المناطق الشعبية، و6 عيادات نقالة ووحدتان تربويتان جوالتان، ووحدة حماية نقالة لأطفال الشوارع، ويعمل في “عامل” 800 عاملاً ومتطوعاً معظمهم من الإناث. ففي لبنان يوجد نحو 11 ألف جمعية، فلو وجد ألف جمعية كـ”عامل” التي يتفرغ فيها اليوم ثمانمائة صبية وشاب، هذا يعني أنه يوجد في لبنان 800 ألف شخص مدنيّ غير طائفيّ فيحصل التغيير السياسي عبر التغيير الاجتماعي. إذ يسود جو مدني غير طائفي يؤدي إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية وإنسان مواطن.

3- إنّ انفتاحكم على العالم العربي والتشبيك مع مؤسساته المدنية ملفت. هل من لمحة عن هذا الإطار الأوسع من حدود الوطن الجغرافية؟

انطلقت “عامل” من مبادئها ومن فهمها للمنطقة العربية والجمعيات والتجمعات العاملة فيها، حيث تتعايش أجيال من الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وهي: الجيل الخيري، الجيل الخدمي، الجيل التنموي، وجيل المنظمات الحقوقية. وتتداخل هذه الأجيال فيما بينها، وتتعايش معاً، وبعيداً عن التقسيم التعسفي لأنواعها، وقد أوضحت الدراسات الميدانية أن العمل الخيري هو الغالب في معظم الدول العربية، ويشكل أحد مظاهر الاستمرارية. وتبدو مؤسسة “عامل” اليوم، في السياق الوطني والعربي، “آلية مقاومة”، للتهميش الاجتماعي والفقر وغياب العدالة الاجتماعية، وللتفاوتات بين البشر بين الأغنياء والفقراء. وهي آلية مقاومة لقبول المهمشين التنازل عن كرامتهم البشرية. ونحن انطلاقًا من مبادئنا في الالتصاق بالفئات الشعبية والعمل على القضايا الإنسانية العادلة ننخرط في العمل الجمعوي العربي، وتعيننا في ذلك تجربة طويلة حيث كانت “عامل” من أوائل المؤسسات الأهلية العربية، النشطة في العمل الإنساني، في البداية على الصعيد الإغاثي الخدماتي أثناء الحرب الأهلية وإبان الاحتلال الاسرائيلي. ثم مرت “عامل” بفترة انتقالية، بعد نهاية الحرب الأهلية واتفاقية الطائف، وبدأت بمرونة شديدة تتكيف مع مرحلة جديدة ومستجدات لإعادة بناء قدرات البشر وفي إطار تقديم خدمات صحية متميزة، وإلى جانبها أنشطة تثقيفية، حتى تصل إلى اللحظة الحالية حيث تتميز في “المثلث”، وهو: الاستجابة لاحتياجات الناس، العمل التنموي لتمكين الفئات المستهدفة، تعزيز الحقوق والتثقيف والتوعية. وبالتالي لدينا الكثير من الخبرات التي يمكننا مشاركتها مع المجتمع المدني العربي.

وقد باتت “عامل” منذ العام 2010 جمعية دولية مقرها جنيف، والهدف من ذلك، السعي وبالتعاون مع منظمات المجتمع المدني الصديقة في بلاد الشمال والجنوب إلى تفعيل العمل الإنساني، وعدم إغراقه في “أجندات” لا تتوافق مع مصالح شعوبها، إلى الالتزام بقضايا الشعوب العادلة، وأن يكون الإنسان هو الهدف والمحرك. وفي هذا السياق إننا نتشارك في تنفيذ برامج مشتركة مع جمعيات في مصر والأردن وجنيف وفرنسا، إلخ… أي أن التوجه الأساسي في ظل العولمة الاقتصادية، يتركز على النضال من أجل توزيع عادل للثروات، وبناء مجتمع العدالة والمساواة، ففي عالم واحد يجب أن يكون هناك مستقبل واحد، والتصدي للاستعمار الجديد بكل أشكاله. فالمهم هو تأمين الحقوق المدنية للأفراد، إلا أننا لسنا على الحياد في المسألة الوطنية الأكبر، وفي بناء دولة مدنية ديمقراطية في لبنان، وأمة عربية قيّمة على شعوبها وحقوق مواطنيها. كما إننا نرفض اختبار أولئك العاملين تحت إشراف المنظمات العالمية الخاضعة لحسابات الدول الكبرى، أو حتى الذين وقعوا ضحية حبائل بعض المنظمات غير الحكومية، التي هدفت ولا تزال إلى ضرب الإحساس العام وجعله فردياً من دون طائل.

4- شاركتكم في اجتماعات ومؤتمرات “طاولة حوار المجتمع المدني”. كيف تقيّمون جديدها في التوجه للرأي العام من باب نشرة “أخبار وحوار” بعد إصدارها الخامس والعشرين؟

نحن نحيّي جهود الأخوات والأخوة في “طاولة حوار المجتمع المدني” وكل الأطراف التي تعمل من أجل لبنان ونهضته، ومن أجل توحيد الجهود وتصويبها نحن الهدف الصحيح، لتكون قوة ضاغطة لتصويب السياسات لما فيه مصلحة الفئات الشعبية والمهمشة.

5- كيف تقيّمون الأداء الحالي للمجتمع المدني؟

تعمل مؤسسات ومنظمات وجمعيات المجتمع المدني اللبناني في الغالب وفق ثقافة المشاريع، وهي مشاريع ذات ممول وأهداف مرحلية وأخرى بعيدة، وذات مهل زمنية محددة. وهي تعمل في الغالب كذلك منفصلة عن بعضها البعض مع تعميم مفهوم المستفيدين والمستهدفين عبر تلك المشاريع، وكان الحديث يدور عن توحيد المفاهيم والأهداف عبر تضافر الجهود وتلمس الأثر الباقي والمستدام من تلك المشاريع على الخريطة التنموية للوطن. إن المؤشر الأساس لقياس الأداء لدى هذه الجهات هو مدى التصاق أهداف البرامج والمشاريع بقضايا الناس والعمل في المناطق الشعبية الأكثر فقرًا وتهميشًا. لذا، يجب الاستفادة من الطاقات المتوفرة، والعمل على تطوير الواقع، بدل أن ننتقد ما هو قائم ولا نقوم بأي عمل أو بأعمال متفرقة ومتنافرة. وقد استطعنا في “عامل” أن نعمل وفق سياسة الثقة بالناس، واحترام الناس، ووضع الخطط، وتجهيز فريق تنفيذ الخطط، وإنجاز هذه الخطط حيث اخترنا شعاراً في المؤسسة أن “الحسن عدو الأحسن”. فالكل في بلادنا يريد الحسن، ولكن لا نعمل من أجل الأحسن. لذا يجب أن يكون الحسن هو الأفق اليومي، لكن يجب أن نعمل من أجل الأحسن، وكيفية تطوير الواقع لكي نصل الى الحسن. ونحن نحاول أن نقدم النموذج عبر “عامل”، ونعرف أنه مسار طويل يحتاج وقتاً، وهو عملية تراكمية، حيث تتطور هذه المؤسسة التي تعتمد على الرؤية والمعلومة وجهاز تنفيذ الخطط، والالتزام بقضايا الناس. فكل إنسان حرّ في دينه ومنطقه وخياراته، وهذا حق له، وفي عقيدته. ولكن يجب أن تكون كرامة الإنسان في المقدمة، وأن نتعاون مع الجميع، وأن يكون موقع التزامنا بالقضايا هو رفض الالتحاق بالسياسات الخارجية، وهذا ما نلاحظه في اللقاءات مع العديد من المسؤولين أننا لا نعمل من أجل بلادنا وشعوبها، بل ننتقل من واقعنا ونلتحق بالسياسات الخارجية. لذا يجب أن نتعاون لتأمين الحرية من موقع التزامنا بقضايانا، وأن ننفتح على الآخرين، لكن من موقع حبّ بلادنا وقضايانا، ورفض سياسات الإملاء والتمييز. من هنا نرفض ازدواجية المعايير هذه، وبالتالي “عامل” حددت خياراتها وهي تقوم بما أسميّه بالمقاومة الإنسانية لما فيه خير الشعوب، ومع دولة العدالة الاجتماعية، ومع توزيع عادل للثروات.

6- بماذا تتوجهون إلى المجتمع المدني؟

انطلاقًا من تجربتنا في “عامل”، توجهت المؤسسة بقيمها من العالم الثالث وللمرة الأولى إلى الغرب الذي يقود العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، واستطاع أن يُنشئ دولاً تؤّمن حرية الأفراد نسبياً، وتقدّم الضمانات للمواطنين، رغم التراجع الذي حصل بعد اعتماد سياسة اقتصاد السوق، والذي يمارس سياسات استعمارية تجاه دول العالم الثالث. ونحن عانينا ولا نزال من هذه السياسات، إذ إن الغربي يستغل دول العالم الثالث. ونحن نحارب هذا الواقع، ونعمل على بناء شراكات مع منظمات المجتمع المدني الغربي. على أساس مبدأ “شركاء لا أوصياء” في القرية الكونيّة للمواطن العالمي. لذا يجب أن نعمل معاً للالتزام بالقيم التي نلتزم بها وندعو إليها، وأن ندفع هذه المؤسسات لأن تمارس ما تدعيّ أنها تعمل من أجله، أي حقوق الإنسان. وليس أن يكون الخطاب في مكان والواقع في مكان آخر، كما هو حاصل في معظم المواقع.

التحدي الكبير هو كيف تمارس منظمات المجتمع المدني عملاً نضاليّاً تضامنيّاً مع الفئات الشعبية، وفي مقدمتها قضية فلسطين؟ ومن وجهة نظرنا، إن أي عمل إنساني لا تكون فلسطين من أولوياته، والفئات الشعبية من أولوياته، ولا تحارب ضد ازدواجية المعايير، والعمل من أجل توزيع عادل للثروات على الصعيد الكوني، ولا تسعى لبناء دولة العدالة، فهي ليست من العمل الإنساني. وبالتالي التحدي الكبير هو ما تقوم به “عامل” على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، وبالتعاون مع منظمات المجتمع المدنيّ، وكل الشركاء، وهو كيف نعمل على أن يتوفر في هذا العالم مبدأ العدالة، والقيم الإنسانية، والحقوق للشعوب المضطهدة، وفي مقدمتها قضية فلسطين التي هي أعدل وأهم قضية في التاريخ الحديث. وهنا أود أن أشير إلى تجارب عملية لـ”عامل” بالتعاون مع المؤسسات الدولية ومنظمات الأمم المتحدة والحكومات، أولاً على مستوى المساعدات، فقد استطاعت المؤسسة، وفي طور الواقع السائد ورفض الخضوع للجهات المانحة، أن يكون هناك نوع من الاستقلالية شبه التامة على الصعيد المادي. و”عامل” على صعيد الخدمات تؤّمن أكثر من 53% من موازناتها من مساهمات المستفيدين من برامجها. فليتصور الجميع أن جمعية مدنيّة غير طائفية، خارج المنظومة السائدة، ولديها ممتلكات تؤمن لها بعض الموارد، وتُنجز سنوياً من خلالها بعض الموارد والدعم للمؤسسة، وأيضاً تقوم بحملة تبرع مالية سنوية، وتستطيع أن تؤمن الخدمات دون مساعدات تقريباً! فبالتالي تتمتع باستقلالية تامة في العمل على القضايا الإنسانية والتنموية والحقوقية، ولا يوجد من يملي عليها ما ينبغي القيام به، إن هذا النموذج هو ما نريده لمنظمات المجتمع المدني.

7- المرأة موجودة في الحقل الطبي وتحقق نجاحات لافتة. هل تلتفت إلى أختها في القرى النائية وتعمل على توعيتها لحياتها وحياة عائلتها الصحية؟

أعتقد أن العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين شهدت نقلة نوعية في الحقل الطبي في المناطق النائية، لا سيما في البقاع وعكار والجنوب وإقليم الخروب، وأنا كنت شاهدًا بنفسي على ذلك، حيث إني من جنوبي الجنوب، ولا يمكن اليوم تخيّل كيف كانت أوضاع العناية الصحيّة في تلك المنطقة، فقد كانت “غير مؤمّنة إطلاقًا”، على حد تعبير محافظ لبنان الجنوبي أواخر خمسينيّات ومطلع ستينيّات القرن الماضي، غالب الترك، الذي يقول: ليس في الجنوب الذي يقطنه ثلاثمائة وأربعون ألفًا غير اثنين وخمسين طبيبًا خاصًا، منهم واحد وعشرون في صيدا.. ومن هؤلاء الأطباء طبيب واحد في قضاء حاصبيا واثنان في بنت جبيل. أما أطباء الحكومة فهم واحد لكلّ قضاء، ما خلا قضاء بنت جبيل الذي يستجير بطبيب قضاء صور المجاور. وليس في المحافظة كلّها من المستشفيات الحكومية التي يمكن أن يلجأ إليها المحتاجون سوى مستشفى واحد في صيدا غير مكتمل التجهيز، أطباؤه يعملون بالتعاقد، وفي مرجعيون مستشفى حرمون الذي شيّده المغتربون، وقد تعهّدت الحكومة بتجهيزه وتعيين الأطباء له والموظفين. أما مستشفى تبنين فآيل إلى الخراب بعد عشر سنوات من بنائه. أما الصيدليات، فليس إلا ستّ منها في صيدا، واثنتان في صور، وواحدة في جزين، وليس في النبطية ومرجعيون وحاصبيّا وبنت جبيل أية صيدلية.

كانت الأوضاع كذلك وأنا أعطيت الجنوب كمثال، وبطبيعة الحال لم توجد امرأة طبيبة واحدة آنذاك، أما اليوم فالوضع مختلف تمامًا، ويمكنني أن أتحدث عن انتشار كبير للمؤسسات الصحية، وعامل منها، حيث تنتشر في عكار والعين وعرسال وشمسطار وكامد اللوز ومشغرة والفرديس وحلتا والخيام والبازورية وإبل السقي وصور، ويعمل في تلك المراكز عدد كبير من الطبيبات والمساعدات الطبيات والاجتماعيات والمتعاونات والمتطوعات، وفي المجمل تشكّل النساء النسبة الأكبر من العاملات في القطاع الطبي في عامل، عدا عن البرامج التوعوية والتثقيفية والتنموية. ويهمني أن أشير إلى العدوى الإيجابية التي أحدثتها عامل في المناطق التي تعمل فيها، حيث تسعى المنظمات والمؤسسات الأخرى إلى استحداث برامج ومراكز مشابهة سواء في المناطق التي نعمل فيها أو المناطق القريبة منها، ويكثر العنصر النسائي في الانخراط في الحقل الصحي والتفاعل مع المجتمع المحلي.

8- مؤخراً نرى المرأة اللبنانية وزيرة ونائبة. هل تراها في المراكز الثلاثة الأولى من رئاسة مجلس الوزراء إلى رئاسة مجلس النواب إلى رئاسة الجمهورية؟

إن المرأة تشكّل نصف المجتمع، فلا يمكن الحديث عن الديمقراطية من دون مشاركة المرأة في صناعة القرار وعلى مستوى الندية مع الرجل! ومن الضروري أن تكون هذه المشاركة خارج منظومات المحاصصة والتوظيف السياسي والتوريث، لتكون منصفة وفعالة.

9- كيف ترى مستقبل لبنان؟

إن لبنان – على الرغم من المحن التي مرّ بها – بقي يتمتع بجاذبية خاصة، عبّر عنها الكاتب الأمريكي أوغستو ريتشارد نورتون في كتابه عن الحرب في لبنان بالعبارات التالية:

يسعى لبنان، حتى في أحلك الأوقات، لأن يبقى مكاناً بارز القدرة على الإغواء، وقد لا توجد بلاد أخرى في العالم آسرة للنفس بقدر ما هو لبنان، ومع أن اللقاء مزيج من مرارة وحلاوة، فإن التمتع بطعمه يطول”!

ولكن لا شك أن الأوضاع المعيشية الصعبة التي ترخي بثقلها على اللبنانيين الحالمين بحياة أفضل، والذين يواجهون مجموعة من الأزمات المتلاحقة في كل مجالات عيشهم، من مياه وكهرباء وبطالة وتعليم وإلخ…، لا بد من مخاطبتهم ومواجهة تحدياتهم بروح ايجابية ومسؤولية عالية، في زمن بات فيه الفقر مشهداً والمطالبة تسولاً، والخدمات العامة إحساناً.

فالحكومات المتعاقبة في لبنان، لم توفق في بناء الدولة الحديثة، ما سمح بظهور الشخصية الأولى في كل طائفة، أي الزعامة الطائفية، هذه السياسة جعلت من الطوائف، الوحدات السياسية الواقعية المكونة للمجتمع اللبناني، التي تلعب دورها في الحياة السياسية اللبنانية بناء على انتمائها الطائفي وحصتها في النظام السياسي، فالمواطن اللبناني في علم الغيب، لقد حل مكانه صاحب الولاء للزعامة الطائفية!

في ظل هذا الواقع، لا بد من تغيير أسلوب العمل، لأننا نرى أن التجارب السابقة تبيّن أن التغيير في المجتمعات يحصل بعد حرب أهلية أو احتلال أو كارثة طبيعية أو أزمة اقتصادية، ولكن كل ذلك مرّ على لبنان ولم يحصل التغيير فيه، لذلك نرى بعد التجربة الميدانية الطويلة، بأن لبنان هو مرآة ومختبر المنطقة، وأن الإصلاح فيه يجب أن يحصل عبر الإطار التدريجي، والذي يتمثل بتقديم الأنموذج أولاً، أي وضع الناس أمام خيارات جديدة، وعندما تتراكم التجارب يمكن مواجهة الواقع السائد في سبيل بناء الديمقراطية والدولة المدنية والإنسان المواطن.

فلبنان بلد الطاقات البشرية بامتياز، والذي نجحنا فيه بالعمل كأفراد ولم نوفق بالعمل كفريق، وهذا معنى اختيارنا في عامل لشعار “التفكير الإيجابي والتفاؤل المستمر” والعمل من خلال نهج الثلاث ميمات: مبدأ، موقف، ممارسة، والعمل على توثيق العلاقة مع الاصدقاء وتحويل المحايدين إلى أصدقاء وتحييد الخصوم.

وإننا في هذا السياق متفائلون بمستقبل بلادنا بسبب الجيل الجديد من الشباب والشابات، هذا الجيل المحمّل بقيم العدالة الاجتماعية والحرية والديمقراطية.

وإن ما نقوم به منذ العام 2011 من حراك اجتماعي، سيفضي إلى بناء مجتمع العدالة الاجتماعية والإنسان – المواطن، ولو بعد حين.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *